وتوزع الآخرون أيضا باستدلالهم بأن الإضافة إلى الفقراء إضافة سكنى لا إضافة ملك لرقاب الديار. ألا تراه كيف قال سبحانه: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم﴾ (6). فسمى الأموال بعد ذكر. الديار، فقال: إنها ليست بأموالهم.
وأيضا فقد سماهم فقراء ولو كانت الديار من أموالهم لم يسموا فقراء.
وأما كون الصيد يستوي في المنع منه المسجد الحرام وبيوت مكة. فإنهما يفترقان أيضا في الطواف، لكون الطواف غير مشروع حول بيوت مكة بل هو مقصور على الكعبة.
وأما من يستدل على جواز بيع بيوت مكة يكون الناس يتبايعونها عصرا
بعد عصر، ولا ينكر ذلك عليهم، فإنه قد قال بعض البغداديين: إن التبايع إنما وقع على الأبنية والسقوف لا على نفس الأرض، والمشي عليها غير ممنوع ولا مقصود بالبيع.
وهذا الذي قاله مما ينظر فيه. وقد تكرر سؤال القضاة عن بيع ديار المنستير لكون من يبيعها يظهر أنه إنما باع الأنقاض والخشب. فلم أسهل في ذلك لكون الأنقاض لو بيعت وهي منقوضة ما بلغ ثمنها عشر ثمن ما تباع به الديار المبنية هناك. فللأرض حصة من الثمن ويعتقد بائعها ومشتريها أنه قد ملك الجميع الأرض وما بني عليها ملكا يصح له مثله لمن حبس على مثله الانتفاع بفناء القصر الكبير الذي هذه الديار بأفنيته ممن لا يحبس ذلك على مثله.
وهذا الذي ذكرناه في أبنية المنستير التي بنيت في أفنية القصر القديم يفتقر إلى بسط. وإنما ذكرنا ها هنا حكم بيع بيوت مكة وإجارتها لتعلقها بأحكام العنوة على مذهبنا، أنها فتحت عنوة، فأضفنا إلى ذلك ما ورد في الشرع من أنه (1) الظواهر المبيحة للبيع والمانعة له. وسننبه على ما وقع في المدونة في كراء بيوت مكة في موضعه إن شاء الله تعالى.
قال القاضي أبو محمد، رحمه الله:.
ولا تجوز التفرقة بين الأم وولدها الصغير في البيع. وحدها الإثغار.
ويجوز في الأب.
قال الشيخ الإمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة منها أن يقال:
1 - ما الدليل على منع التفرقة بين الأم وولدها في البيع؟
2 - وهل يقاس على الأم غيرها من الأقارب؟
3 - وما الحد الذي ينتهي إليه في الأمر بالجمع بينهما؟
4 - وهل يفسخ البيع المعقود على التفرقة بينهما؟
5 - وهل الجمع بينهما يكون في ملك واحد أو في حوز واحد؟
6 - وهل العتق لأحدهما كالتفرقة في البيع؟
7 - وما الحكم إذا تعلق لرجل حق نقل الملك لأحدهما دون الآخر؟
8 - وما حكم التفرقة في حق ملك ناقص؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" (1). وهذا يدل على التأكيد لما فيه من الإرهاب بشدة الوعيد في التفرقة في القيامة بين الإنسان وبين من يحب. وذكر الترمذي هذا الحديث وهو حسن السند (1) وقال أيضا - صلى الله عليه وسلم -: لا توله والدة على ولدها" (2) فنبه - صلى الله عليه وسلم - على معنى معلوم صحته من جهة العادة، وذلك أن الأمهات لهن من النزوع على أولادهن، وشدة الرحمة والعطف، ما يخف عليها به أن تحمل نفسها الآلام عن ولدها، ويبدو منها من الوله عليه إذا تعرض به لأمر يخاف منه عليه ما تكاد معه أن تزهق به نفسها، أو تسلم لأجله بدنها، فحجر على مالكها ومالك ولدها أن يتصرف في ملكه كيف شاء ببيعهما مجتمعين أو مفترقين. لكون التحجير عليه في هذا ليس فيه من الإضرار ما يبلغ الإضرار بالأم في فراق ولدها.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
اختلف العلماء في المنع من التفرقة.، هل ذلك مقصور في الأم خاصة أو يقاس عليها غيرها؟ فمالك، رحمه الله قصر هذا الحكم عليها. وأجاز التفرقة بين الصغير وبين أبيه وجده وجدته وسائر قراباته سوى الأم.
وحكى ابن المواز عن بعض أهل المدينة أنه أضاف إلى الأم في هذا الحكم الأب. ورأى المنع من التفرقة بين الولد وأبيه في البيع. ومال إليه بعض أشياخي.