فهذا مما ينظر فيه فكأن أشهب لم يلتفت إلى ما يتصور من ضرر في هذا العقد، لكون المشتري يسقط ذلك منه إذا أسلم البائع، لأن الغالب عنده في أهل الكتاب أنهم لا يتنقلون عن دينهم. فصار إسلامه، وإن جوز عقلا، غير ملتفت إليه عند هاذين المتبايعين.
وأما أرض العنوة فإن المسلمين قد ملكوها بالغلبة عليها والقهر لأهلها، فهي من جملة ما غنموه. وقد قال تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله﴾ (1) الآية. فاقتضى هذا أن الأربعة الأخماس للغانمين. ولهذا قال، في إحدى الروايات عنه: إن أرض العنوة تقسم، أخذا منه بعموم هذه الآية قياسا على سائر ما أخذوه وغنموه من أموال أهل الحرب. وأيضا فقد قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - أرض خيبر لما فتحها عنوة (2). وقال مرة أخرى: لا تقسم لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة عنوة على مذهبه، ثم أجمعوا أنه لم يقسمها (3). وقد ذكر عمر أن الرأي عنده ألا تقسم أرض العنوة لأجل من يأتي بعد عصره من المسلمين كما قال تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم﴾ (4) الآية فذكر هذا بعد ذكره ما أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - (5).
ولهذا قال مالك: لا تباع مصر. لأنها أقرت لمن يأتي من المسلمين، وأرضها
كالحبس الموقوف على المسلمين (1) ولهذا لا تباع عنده ديار مكة بناء على أصله لأنها فتحت عنوة.
وقد اختلف الناس في بيع رباع مكة وإجارتها. فمذهبنا بيع رباعها وإجارتها.
وبه قال أبو حنيفة. وإن كان أبو حنيفة قال: أكره بيعها لكن أصحابه حملوا قوله هذا على التحريم للبيع. وذهب الشافعي إلى جواز ذلك. ومذهبه أنها دخلت صلحا.
وقد اختلفت الظواهر والأقيسة في جواز بيع ذلك أو منعه.
واستدل من منع ذلك بقوله تعالى: ﴿والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد﴾ (2). ورأى هذا كناية عن الحرم كله، وما أحاط به من المسجد والديار. وعضد هذا بأن المصلحة المنع من ذلك لكثرة الوارد عليها لقضاء فريضة الحج على العباد، فتمس الحاجة إلى كون رباعها مباحة للواردين غير مقصورة للساكنين. وبأن مكة كلها يمنع الصيد في ديارها، كما يمنع في المسجد الحرام، فدل أنهما سيان. وأيضا فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: رباع مكة لا تباع ولا تؤاجر (3). وهذا نص في عين المسألة.
ويستدل الآخرون بأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لما أتى مكة عرض عليه النزول في رباعه فقال: وهل ترك لنا عقيل ربعا (4)؟ وكان أبو طالب أسلم أبناؤه قبل وفاته وهما علي وجعفر رضي الله عنهما. وتأخر إسلام عقيل إلى أن مات أبوه أبو طالب فورثه دون ولديه المسلمين وباع رباعه (5)، فأشار عليه الصلاة والسلام بقوله هذا إلى إمضاء بياعاته وإمضاء ميراثه. فلو كان البيع لرباعها لا يجوز لم يمضه - صلى الله عليه وسلم -، ولأخبر أن هذه البقعة تختص، لحرمتها، وحاجة الناس للورود عليها، لمنع بيعها بخلاف سائر البلاد.
وأيضا فقد قال تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم﴾ (1) فأضاف الديار إليهم، والإضافة لمن يعقل محمولة على الملك، فاقتضى هذا صحة ملك رباع مكة وما صح ملكه جاز بيعه.
وقد توزع الأولون في استدلالهم بأن الآية إنما ذكر فيها المسجد الحرام، والمسجد الحرام اسم لبقعة مخصوصة محدودة، فلا يدخل فيها غيرها كما لا تدخل بغداد في اسم مكة. وأيضا فإن الطبري ذكر في تفسيره للقرآن أن المراد ذمهم على صدهم ومنعهم من الحج في قوله: ﴿ويصدون عن سبيل الله﴾ (2) وذمهم على المنع من الطواف بقوله: ﴿والمسجد الحرام﴾ (3) وإن (4) قوله: رباع مكة لا تباع. محمول على الاستحباب والمواساة بها لمن ورد من الحجاج. كما قال في حديث آخر: لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير من أن يأخذ عليها خرجا معلوما الحديث (5) لأجل الحاجة إلى المواساة في مثل هذا.