وأضاف الشافعي إلى الأم ولد الولد فقال: لا تفرق بينهم في البيع ما داموا صغارا. وقدر أن الضرر المشار إليه ها هنا يتصور في سائر ذوي
الأرحام. وإن قصر جميعهم عن الأم في شدة العطف على الصغير، والحنين والجزع من فراقه، ومن سواها يتفاوتون في هذا المعنى، وليس تقصيرهم عن الأم في الجملة بالذي يسقط حقهم في الجمع لأجل ما يلحقهم من الضرر.
ورأى الشافعي أن الجدة تكاد تقارب الأم في المعنى الذي أشرنا إليه من الحنان وشدة النزوع إلى الولد، فوجب أن تلحق بالأم في هذا الحكم، ولا يلحق من سواها من الأقارب لما علم من جهة العادة أن الخالة والعمة والأخ والأخت لا يلحقون في هذا المعنى بالأم والجدة. ورأى بعض أهل المدينة أنه يتضح في العادة مساواة الأب للأم في هذا المعنى لكون الولد كعضو من كل واحد منهما.
ويلحق الأب بالأم في هذا.
وبالجملة فإنه لا يشك في اختلاف طبقات الأقارب في هذا المعنى. ولا يتضح في الخالة والعمة والعم والخال من شدة الضرر ويتضح في الأبوين والجدة. وإنما يتضح القياس مع المساواة في معنى العلة. ومن ذكرناه من عمة أو خالة لا يساوي في هذا المعنى الأبوين والجدة. هذا إذا قلنا بأن المنع من التفرقة بين الأم وولدها في البيع حق للأم على ما ذكر ابن عبد الحكم في مختصره من أن الأئم إذا رضيت بالتفرقة بينها وبين ولدها لم يمنع سيدها من أن يفرق بينهما في البيع. وإن قلنا: إن المنع من التفرقة إنما يعتبر في حق الولد في هذا، كما قاله ابن المواز عن مالك: إنه لا. يفرق بين الأم وولدها في البيع ولو رضيت الأم بذلك. وقع النظر فيما قاله أبو حنيفة فإن الولد إذا بيع وحده، وهرب مشتريه وهو صغير لا يجد من يربيه، فإنه يلحق به الضرر الشديد من أن يفرق بينه وبين خالته أو عمته.
ويجري هذا مجرى التفرقة في الأحرار. فإن الحضانة للخالات، وإن كره الأب ذلك، إذا لم تكن أم ولا جتة، ولكن المذهب أن حكم الحضانة في الأحرار خلاف حكمها في المماليك لما يلحق المالك من الضرر في ماله بأن لا يبيعه كيف يختار من جمع أو تفرقة.
والحضانة في الأحرار هل ذلك حق للولد أو للأم؟ ففي المدونة أن المرأة
إذا خالعت زوجها على أن تسلم حقها في الحضانة، فإن ذلك خلع جائز، ويلزم ما رضيت به. وهذا مبني على أن الحضانة حق للأم، ومن رضي (1) بإسقاط الأم حقها في الحضانة باطل (2) بناء منه على أن الحضانة حق للولد. وإذا خالعت على إسقاط حق غيرها لم يلزم ذلك إذ ليس لأحد أن يسقط حق غيره لمنفعة نفسه.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
أما حد التفرقة فقد اختلف فيه. فالمشهور عن مالك وابن القاسم أن حد ذلك استغناء الولد عن أقه، والعلم على ذلك الإثغار. ما لم يعجل على الصغير أو الصغيرة. وهذا الاستغناء قال فيه مالك: هو أن يستغني عن أمه في شرابه وطعامه وقيامه ومنامه. وهذا يحتمل أن يبنى على التعليلين جميعا. وإن كان الأظهر منهما إسناد هذا الحكم إلى حق الولد في التربية. لأن من لم يثغر، ولم يعقل ما يؤمر به وينهى عنه، ويهتدي إلى ما يحفظ به حياته ويدبر به نفسه، مفتقر إلى من يقوم به في ذلك. فلو ترك الرضيع والقريب العهد بالفطام إلى تدبير نفسه وغذائه لهلك، لأنه لا يحسن كيفية التغذي ولا أوقاته ولا صفة تناوله وإحضاره.
ويحتمل أيضا أن يقال: ما دامت حاجته شديدة إلى أمه، كانت في رحمته والعطف عليه أشد منها في ذلك إذا استغنى عنها. ولهذا كبار الأولاد لا يلحق نفس الأم في نزعهم منها ما يلحقها في صغير لا يعقل محتاج إلى تربيتها. فيكون من هذه الجهة الحكم مستندا لحنانها ورحمتها. ولكنه يختلف باختلاف السنين. وحده الليث بعشر سنين. ورأى أن ذلك علما على الاستغناء عن أمه.
وإلى هذا أشار في كتاب ابن المواز فقال: يفرق بين الأم وولدها إذا استغتى عنها وختن وصار يؤمر بالصلاة ويؤدب عليها، وفارق أسنان اللبن. فذكره التأديب للصلاة وإدخاله المكتب والختان يشير إلى أن ذلك كله هو علم على الاستغناء عن أمه. وذكر في ذلك أدبه على القملاة وهو إنما يؤدب عليها إذا بلغ عشر سنين.