تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا قلنا بفسخ البيع فإن ابن شعبان حكى أنه يفسخ، وإن باعه النصراني الذي اشتراه من مسلم وتداولته أملاك المسلمين فإن البياعات كلها تفسخ وإن فات العبد في يد النصراني قبل أن يفسخ بيعه فإنه يضمنه بقيمته.

وهذا الذي قاله من فسخ البياعات كلها مع كون البيع الصحيح يفيت البيع الفاسد. والنصراني الذي اشتراه إذا باعه من مسلم ثم باعه المسلم من مسلم آخر يجب أن يكون هذا فوتا، ولا ينتقض إلا البيع الأول.

فهذا الذي ذكره ابن شعبان كأنه مخالف لأصل المذهب، لكن يمكن الاعتذار عنه بأن هذا البيع لما كان مجمعا على منعه وتحريمه كان غير منعقد ولا فيه شبهة العقد، وأصل سحنون في هذا أنه لا يضمن كما لا تضمن البياعات الفاسدة، لولا أن ابن شعبان قال: إن فات في يد النصراني ضمنه بقيمط. فهذه الزيادة. التي أضافها إلى فسخ البياعات كلها يمنع من إجرائها على طريقة سحنون.

ولو أن مسلما اشترى من نصراني عبدا نصرانيا فأسلم، فإن ابن القاسم ذكر عنه ابن حبيب أن هذا المشتري المسلم إذا اطلع في العبد على عيب فإنه يرد على النصراني الذي باعه منه، ثم يباع على النصراني، وذكر عن أشهب أنه لا يرد عليه، وإنما له طلبه بقيمة العيب كما يطلبه بذلك لو فات في يده.

وهذا الاختلاف يلتفت فيه، عندي، إلى أصل، كما قدمناه في كتاب الرد بالعيب، من اختلاف المذهب في كون الرد بالعيب نقضا للبيع من أصله، أو كايتداء بيع. حسن القول: أن هذا المشتري المسلم لا يرده على النصراني، كما لا يجوز له أن يبيعه منه. وإذا قلنا: إن الرد بالعيب نقض للبيع من أصله، فقد يحسن ها هنا القول بأن المشتري يمكن من رده، إذ ليس رده كابتداء بيع من النصراني.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:

قد ذكرنا أنه لا يحل بيع العبد المسلم من نصراني، لكون الكفر ها هنا كالمنافي لملك المسلم، لكون الملك والاسترقاق نوعا من أنواع القهر والإذلال. ولهذا فسخنا البيع على أحد قولي مالك ومذهب أكثر أصحابه.

وبعناه عليه على الرواية الأخرى.

وإذا أسلم عبد لنصراني فإنه، أيضا، لا يصح أن يقر ملكه عليه لما في ذلك من استعلاء الكفر على الإسلام وإذلال المسلم. وإذا لم يستقر ملكه عليه وجب بيعه عليه للمسلم. ولا يؤخر ذلك إلا بحسب الإمكان، وإنما يبقى النظر هل يجوز أن يبيعه النصراني على أن الخيار له أياما، لكون إثبات الخيار له في البيع يقتضي كون ضمانه منه وخراجه له، فكأن حكم الملك باق عليه. أو يقال: فإن مدة الخيار مما قد يحتاج إليها استقصاء للثمن والبحث. فهذا مما ينظر فيه.

لكن لو باع النصراني عبده النصرانى على الخيار أياما فأسلم العبد، فإنه إن كان الخيار للمشتري، وهو نصرانى، استعجل في استعلام ما عنده مما له الخيار فيه من رد البيع وإمضائه. لأنا إن لم نستعجل في ذلك، وأمهلناه بقية أيام الخيار، اقتضى بنا (1) العبد المسلم في حكمه وحكم ملكه وهو لا سبيل إليه.

ولو كان مشتريه مسلما فاشتراه بالخيار فأسلم العبد في أيام الخيار،

فظاهر المدونة أنه يمهل المشتري المسلم إلى انقضاء أيام الخيار، لأنه قد تعلق له حق بالتأخير إلى هذا الأمد، وهو حق مسلم، فلا نبطله لحق مسلم آخر وهو الذي أسلم.

كما لو استأجر المسلم عبدا نصرانيا وسيده نصراني فإنه لا تبطل الإجارة لتعلق حق مسلم بها، فلا يبطل حق مسلم وهو المستأجر لحق العبد المستأجر الذي هو باق في الإجارة على ملك سيده، وهو في الإجارة (1) إذا كان أمدها بعيدا لا يصح البيع. فهذا أيضا يجري على ما ذكرناه في تأخير المسلم إذا كان له الخيار أمدا معلوما لتعلق حقه بذلك. فالحكم جار على أسلوب واحد في مراعاة حق مسلم فيما له من تأخير الخيار أو تأخير أمد الإجارة مع كون ملك الرقبة لم يخرج عن الكافر.

بخلاف أن يكون المشتري بالخيار كافرا فإنه يبطل حقه في تأخير الخيار لحق المسلم وهو العبد، وحق العبد المسلم مقدم على حق الكافر. بخلاف حقين تعارضا بين مسلمين.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٠٩