تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيخلص من هذا أن الخلاف في جبر المجوسي على الإسلام إذا لم يكن تدين بدين إلا ذلك، لكونه يجيب إذا دعي إلى الإسلام كالصغير الكتابي الذي ليس معه أبوه ولا أمه. وقد حكينا عن أشهب أنه لا يجبر. وقيل: يجبر.

ويستقصى هذا في موضعه إن شاء الله.

وإذا قلنا بالجبر فالجبر إنما يكون بالتهديد والضرب، لا بالقتل لكونه لم يتدين بدين الإسلام ثم يرتد عنه فيقتل. وإنما هذا الجبر رجاء أن يتدين بدين الحق ويتعلمه.

وإذا وقع البيع ها هنا الممنوع على ما فيه من الاختلاف الظاهر. فالظاهر أنه يجري على قولين في فسخ البيع أو بيعه على من اشتراه.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:

لا خلاف في منع بيع العبد المسلم من رجل كافر أو امرأة كافرة. وهذا لقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ (1) وبيع المسلم من الكافر يجعل به للكافر على المسلم أشد سبيل. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه" (2). وإذا صار المسلم مملوكا صار الكافر له علو على المسلم، وقدرة على إذلاله وإهانته، فيحصل للكافر عزة المالك، ويحصل للمسلم بذلك ذلة المملوك. فإذا تقرر أن هذا البيع محرم ممنوع، فإذا وقع فماذا يكون الحكم فية؟

اختلف قول مالك فيه. فقال مرة، وهو المشهور عنه: إن هذا العبد

المسلم يباع على النصراني الذي اشتراه ولا يفسخ بيعه. وهذا هو المشهور عنه.

وروى ابن شعبان عنه في مختصر ما ليس في المختصر أن البيع يفسخ. وهذا في كتاب ابن حبيب أن البيع يفسخ.

واختلف قول الشافعي، على حسب ما اختلف قول مالك فيه، فقال مرة: يباع عليه. وقال مرة أخرى: يفسخ.

وذهب أبو حنيفة إلى أحد قولي مالك والشافعي. فقال: يباع عليه إلا أن يخرجه مشتريه النصراني من يده بعتق أو كتابة فلا يباع عليه، فجعل الكتابة تحل محل بيعه عليه. وظاهر مذهب الشافعية في الكتابة أنها عندهم على قولين في كونها تحل على بيعه عليه، وأما نحن فلا يختلف مذهبنا في أن الكتابة لا تجزي في رفع يده عنه، لكون المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. وأحكام الرق باقية عليه لسيده النصراني فلا يكتفى بها في إخراجه من يد النصراني الذي اشتراه.

فأما من ذهب إلى أنه يباع عليه ولا يفسخ فإنه يستدل بقول الله سبحانه: ﴿وأحل الله البيع﴾ (1). وبأن النصراني لا يمنع من التجر وطلب الأرباح في سائر أنواع المتملكات؛ والعبد المسلم يكون كأحدها، وإنما حقه في رفع إذلال الملك للنصراني. وهذا الحق يصل إليه ألمسلم ببيعه على النصراني. كما أن الإنسان ممنوع من إذلال أبيه وقهره. فإذا اشتراه عتق عليه ولم يفسخ مع كون الأبوة تأبى الملك. فعتق الأب يرفع عقوقه بإذلال الملكة. فكذلك بيع هذا يرفع إذلال الرق عنه للنصراني بيعه من مسلم. وأيضا فإن الكفر لا ينافي ملك ملك المسلم. ألا ترى أنه يصح ملكه للنصراني بحكم الميراث، مثل أن يسلم عبد للنصراني ويموت سيده قبل أن يباع عليه، فيرثه ولده النصراني فيباع العبد على النصراني. فإذا صح ملكه بالميراث صح ملكه بالشراء ولو كان الكفر ينافي الملك لم يملكه بميراث ولا بشراء.

وأما من ذهب إلى فسخ البيع فإنه يحتج بقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ (1). وإقرار ملك النصراني على المسلم إلى أن يتفق بيعه عليه إيجاد للكافر سبيلا على المؤمن؛ وهذا خلاف ما قال الله تعالى.

وأيضا فإن الشراء إما أن يكون لقربة أو يكون لبيع لطلب ربح وتنمية وتحصيل منفعة وغرض. فإذا كان النصراني لا يقر في يديه مسلم إذا اشتراه لم يحصل له فيه طلب التنمية أو المنفعة. ولا يصح أن يشتريه تقربا إلى الله عز وجل، كما يشتري المسلم أباه فيعتق عليه تقربا إلى الله. فيقتضي هذا كون العقد عليه لا يصح، كما لا يصح عقد المسلم على شراء خشاش وما لا منفعة فيه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٠٨