ولو كان المشتري نصرانيا والعبد نصرانيا فأسلم، والخيار للبائع وهو مسلم، فهل يجوز للبائع المسلم أيضا البيع للنصراني أم لا؟ هذا قد يجري على القولين في بيع الخيار إذا أمضي هل يقدر أنه إنما عقد حين إمضائه، فيقتضي هذا منع المسلم البائع من إمضاء البيع في عبده، الذي أسلم، من النصراني الذي اشتراه، لكون هذا كابتداء بيع مسلم من نصراني.
وإن قدرنا أن البيع إذا أمضي فإنه لم يزل ماضيا حين العقد، فهذا قد يقال فيه: إن له إمضاء البيع ولا يكون كمبتدي بيع عبد مسلم من نصراني، لأن هذا البيع إنما عقد في حال يجوز فيه العقد. وزمن العقد هو المعتبر على هذه الطريقة لا زمن إمضاء الخيار.
وإذا تقرر وجوب بيع العبد إذا أسلم على سيده النصراني وأن الغرض بهذا
زوال الملك عنه، والملك يزول بالعتق وبالهبة والصدقة فإذا أعتقه سيده النصراني فقد حصل الغرض من إزالة ملكه عن العبد. وكذلك لو تصدق به أو وهبه لمسلم وزالت يده عنه، فإن الغرض أيضا قد حصل وهو زوال ملك النصرانى عن المسلم.
لكن لو كانت هذه الهبة أو الصدقة على ولد صغير مثل أن تكون نصرانية لها زوج مسلم، وله منها ولد صغير، فإن عبد هذه النصرانية إذا أسلم فتصدقت بالعبد على ولدها الصغير فإن الغرض أيضا قد حصل من زوال ملكها عنه.
لكون ولد المسلم مسلما، وكون الصدقة لا تعتصر. وأما إن وهبته لولدها الصغير فإن الأشياخ اختلفوا: هل يكتفى بهذا في خروج ملكها عنه أم لا؟ فمنهم من ذهب إلى أن ذلك يكتفى به ويغني عن بيعه عليها لكون ولدها الذي وهب هذا العبد له مسلما وأبوه يحوز له ما يملك، فقد تحقق زوال الملك وزوال اليد عنه من جهة سيدته النصرانية، وإذا حصل الغرض لم تبق عليها مطالبة بعده.
ومنهم من ذهب إلى أن ذلك لا يكتفى به لكون أحد الأبوين إذا وهب لولده هبة فإن له اعتصارها والرجوع فيها، فكون هذه النصرانية قادرة على رد هذا العبد إلى ملكها يصير العبدكأنه باق على ملكها لم يسقط ملكها عنه.
واختلافهم هذا قد يجري على ما اختلف فيه المذهب من كون من قدر على أن يملك هل يعد كأنه مالك الآن أو لا يعد مالكا حتى يصرح بأنه قد ملك ما جعله له الشرع أن يملكه؟
وقد اعتضد من قال: إن هذه الهبة لا تكفي ها هنا في الغرض المقصود لأجل القدرة على الاعتصار بما ذكره في المدونة من أن رجلا إذا كان عنده أختان مملوكتان فوطىء إحداهما، فإنه لا يحل له وطء الأخت الأخرى حتى يفعل ما يحرم عليه الأولى، التي وطئها، من عتق أو بيع وشبه ذلك. ولا يجزي في ذلك هبتها لولد له صغير لكونه قادرا على اعتصار هذه الهبة منه. فقدر أن قدرته على ردها إلى ملكه يصيرها كمن لا يخرج ملكها عنه.
وانفصل الآخرون عن هذا بأن هذا الذي يملك أختين مسلم يجوز له أن يعتصر ما وهب لولده. وهذه النصرانية لا يجوز لها أن تعتصر العبد الذي وهبته لولدها إذا أسلم، كما لا يجوز لها أن تشتريه. فإذا كانت ممنوعة من اعتصاره لكون الكفر المنافي لاسترقاق المسلم، لم يقدر أنها مالكة لهذا العبد كما قدر ذلك فيمن ملك أختين وطئ إحداهما ثم وهبها لولده.
ولو أن هذا العبد، لما أسلم، لم يخرجه سيده عن ملكه حتى تعدى فاستدان عليه دينا فرهنه فيه، فإن هذا لا يكتفى به في إخراج من ملكه، لكون الرهن باقيا على ملك راهنه. وقد ذكرنا أنه لا يصح أن يبقى المسلم في ملك الكافر. فإذا لم يصح هذا وجب بيع العبد على راهنه، لحق الله تعالى في ذلك،
وحق العبد. فإذا بيع وجب تسليم الثمن لمن كان في يده رهنا بدلا من عين العبد الذي إنما عامل راهنه على أن أخذه ثقة لحقه. إلا أن يدفع الراهن رهنا يكون ثقة بهذا الحق فيأخذ الثمن لأن من بيده الرهن إنما تعلق حقه بعين الرهن، وقد غلبه الشرع عليها، فجعل ثمنها رهنا بدلها. فإذا أتى الراهن بثقة حقه أخذ الثمن، وصار ما أتى به بدلا عن العين التي غلب الشرع عليها.