تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الصغار فلا يباعون منهم.

(وأما النسوان من شرائهم لهم لعدم الضرر من جهتهن وكونهن يبعد إسلامهن إذا كن كبيرات) (2).

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:

لا يخلو الكافر الذي أراد شراء كافر مثله، من أن يكون يشتري من هو

على دينه أو من ليس هو على دينه من أهل الكتاب:

فأما إن أراد النصراني شراء عبد نصراني بالغ فإنه لا يمنع من ذلك لكونه لا يستحيل الاضطرار به (1) لمساواته في الدين، ولا يخاف إذا كان سيده يسكن به بلاد المسلمين من كونه يطلع أهل الخرب على غرة المسلمين وما يخافون منه. وأما إن كان هذا العبد صغيرا ففيه قولان: أحدهما منعه من شرائه له. فوجه المنع، وهو المذكور في المدونة وغيرها، أن الصغير يرجى إسلامه إذا دعي إلى الإسلام لكونه لم يرسخ في نفسه الكفر، ولا عنده من الحنكة ما يصادم به من أراد أن ينقله عن دينه. بخلاف البالغ.

فإن وقع هذا البيع ففي العتبية أنه يفسخ. وقد يتخرج على قول آخر أنه يباع عليه من مسلم. ووجه القول الثاني وإليه ذهب ابن المواز أنا لسنا على يقين من قبوله الإسلام إذا اشتراه مسلم فلا يمنع النصراني من شرائه، مع كون إسلامه غير متحقق لا سيما على ما ذكره ابن المواز عن أشهب من كون الصغير المنفرد عن أبويه إذا اشتراه مسلم فإنه لا يجبره على الإسلام لكونه من أهل الكتاب، وأهل الكتاب لا يجبرون على التنقل عن دينهم.

وأما إن كان العبد المبيع الكافر على خلاف دين من أراد أن يشتريه من الكفرة، مثل أن يكون عبد بالغ يهودي أراد شراءه نصراني، أو نصراني أراد شراءه يهودي. فإن هذا أيضا فيه قولان: أحدهما المنع من ذلك وإليه ذهب ابن وهب وسحنون. والثاني جواز ذلك. وإليه ذلك ابن المواز.

فوجه المنع ما قد علم وتقرر من شدة العداوة والبغضاء التي بين أهل هذين الكتابين، فتمكنهم من ملك بعضهم بعضا إضرار بالمملوك وإيجاد للسبيل إلى أذاه، والإضرار به لا يجوز.

ووجه الجواز أن هذا لا حق فيه لله سبحانه، لأنه لو رضي العبد شراء من ليس على دينه وهو بالغ لم يمنع مشتريه من شرائه فلو كان لله سبحانه فيه حق ما

جاز رضاه بذلك. فإذا تجرد الحق للعبد جاز الشراء، ومنع الإمام من يملكه من أذاه والإضرار به، وفعله للإضرار يزول بعقوبة المشتري عليها. فلم يجب منعه من الشراء.

وأما إن كان العبد المشترى ليس من أهل الكتاب، كالمجوس والصقالبة والسودان، فإنه إذا حاول شراء عبد منهم يهودي أو نصراني، فإن المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها أن ذلك ليس بحرام. قال مالك في المدونة ما علمته حراما وغيره أحسن منه. وأطلق الجواب في الصغير منه والكبير.

والقول الثاني: أنهم يمنعون من ذلك في صغير أو كبير. ذكره ابن عبد الحكم.

والقول الثالث: أنهم يمنعون من ذلك في الصغار دون الكبار. وذكره في العتبية قال: وإن اشتروا الصغار فسخ البيع.

واشترط في غير العتبية أن فسخ البيع ما لم يتدين الصغير المبيع بدين.

وتوجيه هذا الخلاف يلتفت فيه إلى الخلاف في وجه آخر، وهو جبر من اشتري من المجوس على الإسلام. فظاهر المذهب أنه إذا تدين بدين، واستمر عليه، لم ينقل عنه، ولا يجبر على الرجوع إلى الإسلام. وأما إن لم يتدين بدين مثل من سبي منهم. فإن ظاهر المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها أنه يجبر على الإسلام وإليه ذهب أصبغ.

والثاني أنه لا يجبر على الإسلام.

والثالث التفرقة بين الصغير والكبير. فيجبر الصغير ولا يجبر الكبير.

فيتضح مع القول بالجبر منع اليهودي والنصراني من شرائهم، لأن منعهم من ذلك يقتضي (ألا يملكهم الإسلام) (1). فإذا ملكهم جبر على الإسلام، فلا ينبغي تسهيل طريق إلى الظلال مع القدرة على الهداية إلى الإيمان.

وإن قلنا بنفي الجبر حسن ها هنا الذهاب إلى التمكين لليهودي والنصراني من شرائهم وحسن أيضا التفرقة بين الصغير والكبير، لكون الصغير الغالب قبوله لما يدعى إليه من المذاهب ويربى عليه، بخلاف الكبير الذي يرجع إلى رأي نفسه وما يجده في طباعه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٤٠٧