تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أشار إليه ابن القاسم في المدونة من أن الخلاف في ضمان العروض والحيوان والطعام حاصل سواء قربت غيبته (1) ذلك أو بعدت.

ولأجل ما أشار ابن القاسم من كون الخلاف في العروض القريبة الغيبة هل يضمنها مشتريها بالعقد أم لا؟ اتفق الشيخان أبو بكر وأبو عمران على أنه لا يجب النقد فيها لأجل الخلاف في ضمانها، كما لا يجب النقد في العروض البعيدة الغيبة، بغير خلاف، ولو كان الشيخ أبو بكر يرى رأي ابن حبيب في كون الضمان فيها من المشتري لا يختلف فيه، لأوجب النقد فيه كما أوجبه في العقار.

وأما ما بعدت غيبته مما سوى العقار فلم يختلف في أن النقد لا يجب فيها لأن ابن حبيب وغيره يسلم أن تلك اختلف قوله فيها اختلافا مشهورا عنه.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:

أما اشتراط النقد في بيع الغائب في العقار فإنه جائز على ما قدمناه من أن مالكا لم يختلف قوله في ذلك.

وأما ما بعدت غيبته مما سوى العقار فإنه لم يختلف أيضا في منع اشتراط النقد فيه لأجل كونه غير مأمون عليه الهلاك، فإذا شرط النقد في العقد فقد تعرض المتعاقدان إلى سلف جر منفعة، لأن المبيع الغائب إن سلم حتى يقبضه مشتريه كان الثمن المنقود عوضه. وإن كان لم يسلم وجب رد الثمن على دافعه، فصار كأنه أسلفه لقابضه ينتفع به حينا ثم يرده. وقد تقدم بيان المنع من عقد يكون الثمن فيه تارة بيعا وتارة سلفا.

ولو كان ثمن الغائب ثوبا أو دارا ما جاز اشتراط انتقاده، وإن كان معروف العين يرد بعينه إذا بطل العقد بهلاك الغائب، ولا يتصور فيه السلف، لما أشار إليه مالك رضي الله عنه من أن الثوب يلبسه الذي انتقده ويبيعه، وكذلك الدار

يسكنها فإذا انفسخ العقد بهلاك السلعة الغائبة ذهبت هذه المنفعة بغير عوض، وقد كان دفعها على حكم المعاوضة، فصار ذلك مخاطرة وغررا.

لكن إذا كان الذي منعنا شرط النقد في حكم التبع لغيره فإنه قد أجيز شرط النقد فيه. كبستان بيع وفيه حيوان فإن اشتراط التقد يجوز فيه، لكون الحيوان تبعا له ومن مصلحته. كما قيل: إن فيه الشفعة، ولو انفرد لم تكن فيه شفعة.

وأما إن كانت العروض والحيوان والطعام قريب الغيبة، فإن اشتراط النقد فيه جائز. لكن اضطرب المذهب في حد القرب في هذا الذي يجوز معه اشتراط النقد. فذهب ابن القاسم وأشهب إلى أن ما كان من العروض والطعام والحيوان على مسافة يومين فإن اشترط النقد فيه جائز. روي عن مالك رضي الله عنه في الحيوان أنه لا يجوز اشتراط النقد فيه، قرب أو بعد، قولا مطلقا في ذكر القرب.

وروي أيضا عنه في الطعام والحيوان أن القرب البريد والبريدان. وهذا كله دائما المعتبر فيه الأمن من هلاك الغائب أو التخوف منه. ولهذا أشار مالك رضي الله عنه في الطعام بأن قال: يسرق ويصيبه المطر فيفسد، فينبغي على مقتضى الذي أشار إليه أن تعتبر قرائن الأحوال في كل صنف من هذا حتى يتحقق الأمن أو يشتد الخطر والخوف من هلاك المبيع.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:

يجوز أن يكون ثمن السلعة الغائبة المبيعة سلعة معينة، ليس بدين مستقر في الذمة. فهي في هذا كالحاضرة المبيعة لكن ذكر في كتاب كراء الدور من المدونة أن التأجيل إنما يجوز بشرط أن تكون مسافة الغائب لا يحل أجل الثمن قبلها، وأنه إذا حل قبل قبض المشتري له ووصوله إليه وجب (1) نقد ما حل أجله صار ذلك كاشتراط نقد في الغائب، وذلك لا يجوز.

ومقتضى هذا التعليل أنهما لو اشترطا في هذا الأجل القصير أن الأجل إذا حل يوقف الثمن حتى تقبض السلعة الغائبة لجاز ذلك. والتأجيل في ثمن السلعة

الغائبة جائز، على حسب ما قلناه، دنانير كان أو غيرها، من مكيل أو موزون أو عرض موصوف في الذمة. ولا يتصور فيه أن هذا الثمن إذا كان عرضا في الذمة إلى أجل صار رأس المال فيه السلعة الغائبة التي تأخر قبضها، وتأخير رأس مال السلم لا يجوز، لأن السلعة الغائبة لما كانت معينة ليست بدين في الذمة، ولا يقدر على تعجيلها، لم يتهم العاقدان على أنهما أخذا عوضا عن ضمان، كما يتصور ذلك فيمن باع سلعة معينة بشرط ألا يقبضها المشتري إلا إلى أمد بعيد، لأن قبض هذه بفور العقد يجوز ويسوغه الشرع، فعدولهما عن تعجيل ما يقدران على تعجيله ويسوغ الشرع تعجيله، قصد إلى التزام البائع ضمان السلعة إلى أجل بزيادة زادها في الثمن، وذلك لا يجوز كما قدمناه في مواضعه. وقد ذكر في المدونة فيمن اكترى دارا سنة بسلعة غائبة أن ذلك جائز، على ما قلنا، لكون السلعة الغائبة معينة والمنافع كثمن لها مؤجل، فلا يمنع من ذلك. لكن اختلف المتأخرون في مبتدإ هذه السنة هل يحسب ذلك من يوم العقد لهذا البيع، أو من يوم القبض للسلعة الغائبة؟ فمن ذهب إلى أنه يحسب من يوم العقد أعطى اللفظ حقه وأجراه مجرى كراء الدار بسلعة حاضعرة سنة كاملة، فإنه يكون مبتدأ السنة من وقت العقد، فكذلك هذا. لكنهما يفترقان من جهة أخرى فإنه منع في المدونة في. هذه السلعة أن يشترط الشروع. في السكن حين العقد، لأن اشتراطه ذلك اشتراط النقد عن سلعة غائبة، وقد قدمنا أن ذلك لا يجوز، فيعتبر مقدار المسافة عند هؤلاء، فإن كانت شهرأوقف مكتري الدار عن سكناها شهرا، انتظارا لقبض السلعة، فكان ذلك ساقطا من العقد، وكأنه إنما اكترى الدار أحد عشر شهرا، وعبر عن ذلك سنة لما كان رب الدار ممنوعا من سكناها سنة كاملة، فاستسهل في ذلك العبارة عن كون الدار اكتريت سنة كاملة.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٩٦