وإذا كانت السلعة موجودة حين العقد، وإنما اختلفا في حصول جزء منها حين العقد أو عدمه، وقد اتفقا على أن ها هنا عقد ومعقود عليه، ويدعي المشتري ما يحله بدعواه أن العيب كان قديما قبل العقد، فلا يصدف، كما لا يصدق في العيوب المشكوك فيها.
ومما ينخرط في هذا السلك ما ذكر من الخلاف فيمن اشترى سلعة على رؤية تقدمت، فلما حاول قبضها زعم أنها تغيرت عما كان رآها عليه، وزعم البائع أنها لم تتغير، وشك في صدق كل واحد منهما. فإن مذهب مالك رضي الله عنه أن القول قول البائع. وإليه مال ابن القاسم لأجل أن البيع منعقد والمشتري يدعي حله، والعين موجودة وهي التي وقع عليهما العقد، فلا يصدق المشتري في حل عقده عليها. وذهب أشهب إلى أن القول قول المشتري في أنها تغيرت عليه، إذا لم يقر إلا بشراء سلعة على صفة معلومة عنده، فلا يؤخذ بأكثر مما أقر به.
وعلى هذا جرى الأمر في الاختلاف المذكور في المدونة فيمن اشترى جارية بها ورم، فلما رآها زعم أن الورم زاد، وزعم البائع أنه لم يزد، فإن مذهب أشهب أن القول قول المشتري بناء على أنه لا يؤخذ بأكثر مما أقر به.
ومذهب ابن القاسم أن القول قول البائع لكون المشتري مقرا بعقد يدعي حله.
واختلاف ابن القاسم وأشهب في هذا الأصل في تبعيض مثل هذا الإقرار مشهور في مسائل كثيرة.
ولو اختلف المتعاقدان لسلعة غائبة لما حضرت: هل هي مطابقة للصفة التي عقد البيع عليها، أو مقصرة عن ذلك؟ مثل أن يقول البائع: بعتك أمة غائبة على أنها عوراء، فيقول المشتري: بل على أنها بصيرة، فإن القول قول المشتري لأنه لم يعترف بالعقد على هذه السلعة التي حضرت بعد مغيبها، بل صار كأنه إنما أقر بشراء سلعة غيرها فلا يؤخذ بغير ما أقر به على حسب ما قدمناه في كتاب السلم في حكم اختلاف المتبايعين.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: ويجوز النقد فيه من غير شرط. فإن كان بشرط فسد العقد، إلا في المأمون كالعقار ونحو ذلك.
وبيع (1) الأعدال على البرنامج جائز إذا بين ما تضمنه برنامجه فإن وافق الصفة لزم.
قال الإمام رحمه الله يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة، أن يقال:
1 - هل يجب النقد في بيع الغائب؟
2 - وهل يجوز اشتراطه؟
3 - وهل يجوز التأجيل فيه؟
4 - وهل تجوز الإقالة في بيع الغائب؟
5 - وهل يجوز التطوع بالنقد؟
6 - وما حكم بيع البرنامج؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
أما وجوب النقد في السلعة الغائبة، من غير اشتراط نقد الثمن أو وقفه، فإنه لا يخلو ذلك من قسمين:
أحدهما أن يكون المبيع الغائب مما يجوز اشتراط النقد فيه ويؤمن هلاكه، أو يكون مما لا يؤمن عليه الهلاك. فإن كان مما يؤمن عليه الهلاك، كالديار والعقار، فقد اختلف الأشياخ في وجوب القضاء على مشتريه ابن قد الثمن. فذهب الشيخ أبو بكر ابن عبد الرحمن إلى أنه يجب على المشتري نقد ثمنها، كما يجب ذلك عليه في شراء سلعة خاضرة. لأجل أن ضمان العقار من المشتري من غير اختلاف، على ما ذكره في المدونة، وذكره ابن حبيب على حسب ما قدمناه ونبهنا على وجود الخلاف فيه عن مالك رضي الله عنه في كتاب ابن المواز. وإذا كان المشتري يضمن المبيع من العقار الغائب بالعقد، فوجب عليه النقد وصار العقار لكونه مأمونا هلاكه كالسلعة التي قضي على مشتريها بدقع ثمنها.
وذهب الشيخ أبو عمران إلى أن نقد الثمن لا يجب، إلا أن يشترط في العقد عليها، لكون مشتريها غير متمكن من قبضها وهي بيد بائعها كالرهن لكونه أولى بها إذا أفلس مشتريها أو مات. وقدر أن إمكان التمكين من السلعة الحاضرة حاصل، وإمكان التمكين من السلعة الغائبة حين العقد لا يصح ولا يمكن. وهذا الذي قاله الشيخ أبو عمران قد يشعر به ما قاله ابن حبيب في الرباع الغائبة إذا بيعت أنه لم يختلف مالك وأصحابه في كون ضمانها من المشتري. قال: وذلك يجوز بشرط النقد فيها. وكذللث ما قربت غيبته من العروض التي يجوز شرط النقد فيها. فقدله: تلك يجوز شرط النقد فيها ظاهره أنه لا يجب النقد، إذ لو كان واجبا لاستغنى عن ذكرة. وأما إشارته إلى أنه لا يختلف في العروض والحيوان القريب الغيبة أن ضمانه من مشتريه، كالعقار، فإنه خلاف ما