تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن عاق عائق عن قبض السلعة الغائبة بعد ذهاب أمد المسافة التي يصل بها إلى قبض السلعة صار ذلك كاستحقاق طرأ أو انهدام فيكون الزائد على قدر المسافة خارجا عما دخلا عليه، فيجري على حكم الاستحقاق فيرجع مكتري الدار بالسلعة الغائبة شريكا في عينها بمقدار هذه الزيادة على أمد المسافة، أو

يرجع بذلك قيمة على حسب الاختلاف في حكم استحقاق بعض الدار أو انهدامها.

ومنهم من ذهب إلى أن مبدأ هذه السنة من حين القبض، وقدر أن القبض لما لم يتيقنا وقته، لجواز عائق يمنع من الوصول إليه، صار تعليق هذا العقد بما قبل القبض فيه مخاطرة وغرر، ولا سبيل إلى صرف العقد إلى وجه من الغرر مع القدرة على العدول عنه من غير مشقة.

وينفصل هؤلاء عما يتعلق به هؤلاء من قول ابن القاسم في العتبية فيمن اشترى سلعة غائبة بثمن إلى سنة: إنه لا يجوز أن يجعل المتعاقدان مبدأ السنة يوم قبض السلعة الغائبة. كمن تزوج بمائة دينار نقدا ومائة إلى سنة مبدأها بعد اليناء، فأشار إلى أن تعليق العقد بزمن قبض السلعة لا يجوز، لما لم يكن زمن القبض معلوما ولا زمن البناء بالزوجة.

وقد أشار الشيخ أبو محمد بن أبي زيد إلى تعقب هذه المسألة، وقال: فيهانظر؛ لأنهم أجازوا أن يتزوجها بدنانير تحل بالبناء، لما كان البناء بحكم الزؤجة، ولها أن تدعو الزوج إلى الدخول متى شاءت. وذلك يصير هذا الأمر على الحلول، لما كان موقوفا على اختيار المرأة، وأنها متى شاءت دعت الزوج إلى البناء بها.

وينفصل الآخرون عن هذا بأن الأجل في بيع السلعة الغائبة إذا جعل من يوم العقد لا يغير حكم المبيع ولا يسقط منه شيئا، وها هنا يسقط من السكنى ما لا يعلم حقيقته ومقداره يقينا، فيصير ذلك غررا في العقد.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال:

قد قدمنا تنازع الأشياخ في وجوب النقد في العقار وحكم اشتراطه في العقد. فإن لم يشترط المتعاقدان تعجيله ولا تأجيله وقف على يد أمين حتى يجب قبضه بقبض السلعة الغائبة. فإن ضاع في خلال الوقف فهو ممن يقضى له به. فإن سلمت السلعة الغائبة حتى قبضها مشتريها أشعر ذلك بأن الثمن كان

موقوفا لبائعها وكانت مصيبته منه. وإن كانت السلعة تالفة حين العقد أشعر ذلك بأنه لا بيع بينهما، وكان الثمن وقف لصاحبه فمصيبته منه. وإنما وقف الثمن لئلا يدعي المشتري ضياع ما اشترى به، إن كان عرضا، أو عجز عيت أدائه، إن كان عينا. ومقتضى هذا التعليل أنه لا يوقف إذا كان عينا وكان موسرا.

وإذا قضي بوقف الثمن ووصل المشتري للسلعة الغائبة إليها وطلب قبضها، فإنه لا يمنع منه انتظارا لقبض البائع لهذا الثمن الموقوف، لأنه قد كشف الغيب أنه له وقف ومصيبته منه بعد الوقف، فلا وجه لمنع مشتري السلعة الغائبة من قبضها مع كونه بريء من ثمنها. ولو لم يوقف الثمن لكان من حق بائع السلعة الغائبة أن يمنع من قبضها حتى يبرأ المشتري من الثمن. وإذا منع من اشتراط النقد وأراد المشتري للسلعة الغائبة أن يتطوع بتعجيله لبائعها منه فإن ذلك جائز وإن انفسخ البيع، لكون السلعة حين العقد كانت موجودة، أو حدث ما يوجب فسخ البيع، على القول أن ضمانها على البائع، فإن الذي تطوع المشتري بتعجيله ونقده يجري مجرى القرض والسلف. والقرض إنما يرجع بمثله، وإن كان عرضا، بخلاف أن يشتري سلعة حاضرة بعرض فبطل البيع فإن الرجوع إنما يكون بقيمة العرض إذا منع مانع من الرجوع لفواته وتغيره، على ما عرف بأحكام الاستحقاق، لأنه ها هنا مستحق قبضه بالحكم، والمدفوع هو نفس الثمن، بخلاف ما تطوع بتعجيله من عرض هو ثمن لسلعة غائبة فإن تعجيله قبل وجوب دفعه وأدائه وتمكين. مشتريه منه يصيره قرضا، والقرض يرجع فيه بالمثل، وإن (1) كان عرضا غير مكيل ولا موزون. وأما المكيل والموزون فيستوي الحكم فيه ها هنا إذا كان ثمنا لسلعة حاضرة أو لسلعة غائبة تطوع بتعجيله، فإن البيع إذا انفسخ رجع مثل المكيل والموزون.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٩٧