ولا تتصور فائدة الخلاف ها هنا إلا على القول أن ضمان الغائب من المشتري. وأما على القول بأن ضمانه من البائع حتى يصادفه المشتري حين القبض فلا ثمرة لاختلافهما إذا خرج المشتري إليه فلم يجده. وإنما يكون للخلاف ثمرة على القول أن الضمان من المشتري فيزعم البائع أن هلاك المبيع كان بعد العقد فيضمنه المشتري، ويزعم المشتري أنه لم يكن موجودا حين العقد فيكون الثمن غير لازم له، لكون البيع لم ينعقد. فإنما أشار بقوله: على القولين جميعا، احتياط أن يظن ظان أن هذا يكون له ثمرة على كل واحد من قولي مالك في ضمان السلعة الغائبة.
وهذا الذي ذكره من إثبات كونه موجودا حين العمد مبني على إحدى الطريقتين في استصحاب الحال اللاحقة أو السابقة. فإذا كانت السلعة الغائبة حين حاول المشتري قبضها لما خرج إليها، فكأنها لم تزل معدومة استصحابا لهذا الحال الحاصل الآن، فيكون على البائع إثبات كونها عند العقد موجودة، لا سيما أن المشتري لا يتحقق كون البيع منعقدا، لأن من شرطه أن يصادف
مبيعا موجودا، ووجوده لم يتحقق. لكن إذا قلنا باستصحاب الحال السابقة، وهي كونه موجودا عند البائع قبل انعقاد البيع، فاستصحاب هذه الحال يقتضي كون إثبات عدم السلعة حين العقد على المشتري.
وقد اختلف في المسألة المذكورة في المدونة، في كتاب الرد بالعيب، وهي اختلاف البائع لعبد تبرأ من إباقه فأبق في الثلاثة أيام، ثم وجد بعدها ميتا، فزعم البائع أنه كان حيا أيام العهدة، وأنه إنما مات بعدها، يكون ضمانه من المشتري، وزعم المشتري أنه مات في عهذة الثلاث ليكون ضمانه من البائع.
فالقولان من هذه المسألة مبنيان على استصحاب الحال الموجودة الآن. فتكون البينة على البائع أنه لم يصت إلا بعد أيام العهدة، أو يستصحب حال كونه حين البيع حيا، فيكون على المشتري إثبات كونه (1) في أيام العهدة.
وقد ذكر ابن القاسم في اختلاف البائع لعبد على الخيار فوجد ميتا بعد أيام، فزعم البائع أنه مات بعد انقضائها ليكون في ضمان المشتري حين الموت، وزعم المشتري أنه إنما مات في أيام الخيار، ليكون في ضمان البائع.
فذكر ابن القاسم أن القول قول البائع. وهذا بناء منه على استصحاب الحال السابقة، وهي كون العبد حيا حين انعقاد البيع. بخلاف ما بني عليه الأمر في المدونة، في مسألة بيع الغائب، وهذا يشعرك بحصول الاختلاف في هذه المسائل التي بنيت على هذا الأصل.
فأما اختلاف المتبايعين لسلعة غائبة في عيب اطلع عليه المشتري حين القبض فزعم أنه كان بالسلعة قبل العقد عليها ليرد به على البائع ما اشتراه.
وزعم البائع أنه إنما حدث بعد العقد. فإنه في المدونة لما سئل عن هذا أضرب عنه، وذكر حكم اختلافهما في كون السلعة معدومة حين العقد. ولكن ابن حبيب ذكر ها هنا أن هذا العيب يحمل على أنه حادث بعد العقد حتى يثبت أنه سابق العقد. وأشار بعض أشياخي إلى أن هذا مخالف لمذهب المدونة إذ لا
فرق بين اختلافهما في كون جملة السلعة موجودة حين العقد أو معدومة، أو اختلافهما في هذا النقص، الذي هو العيب، هل كان هذا الجزء موجودا حين العقد أو مفقددا؟ وذكر ابن حبيب أن هذا مذهب ابن القاسم في حمله على الحدوث، كما يحمل عيب اطلع عليه في سلعة حاضرة اشتريت، واختلف فيها البائع والمشتري: وهل (1) هو حادث أو قديم؛ فإنه يحمل على كونه حادثا عند المشتري، إذا شك فيه، لكون المشتري مقرا بانعقاد البيع يدعي ثبوت ما يخله فلا يصدق.
وكذلك اختلافهما في العيب المطلع عليه في السلعة الغائبة.
وأشار بعض المتأخرين إلى أن ابن القاسم فرق بين اختلافهما في ذهاب جملة السلعة حين العقد وذهاب جزء منها. ولم يشر إلى الفرق.
وعندي أن الفرق بينهما أن اختلافهما في كون السلعة الغائية موجودة حين العقد أو معدومة، اختلاف في كون هذا البيع انعقد وحصلت حقيقته، أو لم ينعقد أصلا، إذ العدم لا يعقد عليه، والأصل عدم العقد، فصدق المشتري فيه.