تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذي قدمناه من اختلاف المذاهب على أربعة أقو الذي ضمان الغائب يشير بعض أشياخي فيه إلى قصر هذا الخلاف على كون المشتري صدف فيما وصفه من حال المبيع. وأما إن لم يصدقه وعقد البيع على الوقف على الاختبار فإنه يتضح كون الضمان من البائع. وهذا فيه نظر عندي، ولا فائدة لاعتبار التصديق ها هنا، أو التوقف في صحة الخبر لأن العقد مشترط فيه كون المبيع موجودا حين العقد، وكونه موجودا حين العقد مما لا يعلمه المتعاقدان، ولا يصح فيه تصديق ولا تكذيب. ثم مع هذه إذا ثبت أنه موجود حين العقد لزم العقد، واختلف في الضمان على حسب ما قتمناه. فكذلك وقف العقد على كون الصفات مطابقة لقول الواصف. فإنه إذا ظهر كونها مطابقة لوصف الواصف لزم البيع عندنا، ولم يكن للمشتري خيار في جله (3) فالضمان يحسن فيه الخلاف على الإطلاف ولكن يجب قصر الخلاف على مبيع غائب ليس فيه

حق توفية بكيل أو وزن، لأن ما يجب فيه تمييز للمبيع وتمييز مبلغ بكيل أو وزن لا يختلف في كون الضمان فيه على البائع حتى يكال أو يوزن، ولو كان المبيع حاضرا. فإذا كان المبيع غائبا فذلك آكد في كون الضمان من البائع. ولهذا قال مالك رضي الله عنه: لا يجوز اشتراط الصفة في مبيع غائب على قيل أو وزن.

وهذا الذي قاله أوضح لما قدمناه لأن المكيل والموزون لم يختلف في كون ضمانه من بائعه قبل أن يكال أو يوزن. فإذا اشترط البائع على المشتري ضمانه قبل أن يكال أو يوزن، فقد اشترط شرطا لم يختلف في كونه خلاف الحكم فلهذا لم يصح الشرط. لكن لو كانت التوفية بعدد مثل أن يبيع دارا غائبة مدارعة، أو حاظا فيه نخل على عدد النخل، فإن مالكا رضي الله عنه جعل الضمان من البائع، وأجرى العدد مجرى الكيل والوزن. لكن ابن حبيب حكى عن مطرف وابن الماجشون أن ضمان ذلك من المشتري قال: ولو ذهبت الدار والنخل لقيس ما بقي على ما هو عليه ولزم المشتري. واحتج بقول مالك فيمن باع زرعا كل حمل بكذا فإنه يكون ضمانه من المشتري وتقاس الأرض ليعلم مبلغ الثمن. وهكذا ذكر ابن المواز، واعتل بأن المشتري ممكن من حصاده قبل أن تقاس. واحتج ابن حبيب أيضا بأن من باع زيتا بظروفه وزنا فإن الضمان من المشتري. ويحط مقدار الظروف من الثمن. وأصل المذهب يقتضي صحة ما قاله مالك من كون الضمان على البائع. ولعل ابن حبيب أراد أن ذكر الأذرع والعدد زيادة في بيان الصفات لاشتراط التوفية به. وأشار في الموازية إلى كون المشتري قادرا على حصاده والتصرف فيه قبل أن تقاس يقتضي اعتبار التمكين.

وإذا لم يمكن المشتري من ذلك لم يضمنه المشتري.

ومما يجري على هذا الأسلوب ما ذكره في المدونة من أن المبيع الغائب لا يجوز أن يشترط لقبضه أجلا. قال ابن المواز لأن ذلك اشتراط ضمان سلعة بعينها وذلك لا يحل. وإنما يعقد على أن يتوجه المشتري لقبضه قرب أو بعد، تعجل أو تأخر، وهذا أيضا من نحو ما كنا فيه من اشتراط ضمان ما الحكم أن لا يضمن. ومن هذا الأسلوب أيضا ما وقع في الموازية من منع العقد على سلعة

غائبة على أن يوصلها البائع إلى بلد العقد أو بلد غيره، لكون قبضها ونقلها ليس بواجب على البائع، وإنما عليه التمكين. فإذا قبضها البائع ونقلها بأمر المشتري صارت يده كيد المستري فكأن العقد وقع بشرط ضمان البائع لما قبضه المشتري، وهذا لا يجوز إلا أن يكون ضمانهما ساقطا عن البائع في مسافة نقلها وإنما اشترط عليه حملها فيكون ذلك كبيع وإجارة فيجوز على المشهور من المذهب في جواز اشتمال عقد واحد على بيع وإجارة.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:

إذا اختلف المتبايعان في سلعة غائبة، من وجودها حين العقد، أو قدم عيب ظهر بها، فإن اختلافهما في كونها موجودة حين العقد أو معدومة ذكر في المدونة أن على البائع إثبات كونها موجودة حين العقد، وأن هذا هو الحكم على القولين جميعا في كون ضمان المبيع الغائب، إذا كان موجودا حين العقد، من البائع أو من المشتري.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٩٣