تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا تقرر اضطراب المذهب في اعتبار قدر التسليم فإن المبيع الغائب لا يمكن تسليمه عقيب العقد لأجل غيبته. وإذا لم يمكن ذلك فيه كان سبب الخلاف فيه ما أشرنا إليه من اضطراب المذهب في مراعاة اعتبار قدر التسليم.

وهذا التعليل يقتضى صحة ما نقله ابن المواز من كون الدار الغائبة إذا بيعت كالعروض الغائبة إذا بيعت، لكون التسليم يتعذر في الجميع. ويقتضى هذا التعليل أيضا كون المشتري إذا تراخى عن الخروج لقبض الغائب تراخيا خارجا عن العادة حتى يذهب الزمن الذي يعلن فيه قبض المبيع فإنه يسقط الضمان عن البائع حينئذ، ويصير كالعروض الحاضرة إذا بيعت ومكن البائع مشتريها من قبضها فتركها اختيارا، فإن ضمانها من مشتريها.

ومما كان يذكره شيخنا ها هنا الاعتذار عن اختلاف اختيار ابن القاسم في قول مالك ها هنا فإنه اختار كون المبيع الغائب ضمانه من بائعه. واختار في المحتبسة بالثمن من قولي مالك كون الضمان من المشتري، وأجراها مجرى الرهبان وما ذلك إلا لأنه يقدر أن المحتبسة بالثمن أمكن المشتري قبضها

بإحضار ثمنها، فعدوله عن ذلك لا يسقط الضمان عنه، والمبيع الغائب يستحيل في العادة قبضه بفور العقد، فصار تعذر التسليم متيقنا بخلاف المبيع المحتبس.

وإذا تقرر الاختلاف في الضمان فإنه أجاز في المدونة أن يشترطه من هو، في الحكم عليه، على الآخر، وما ذلك إلإ لكون محل الضمان اختلف فيه قول مالك لكون الأدلة فيه تكاد تتعارض فلما أشكل الأمر استخف نقل الضمان من محله إلى محل آخر قد قيل: إنه هو الأصل في الحكم فيه، بخلاف نقل الضمان من محل إلى محل آخر اتفق على أنه ليس بمحل الضمان.

وقد قيل: إن المذهب على قولين في اشتراط الضمان على المشتري، على القول بأن الحكم كونه على البائع، لأجل ما وقع لمالك فيمن باع طعاما واشترط على المشتري ضمانه إن أدركته الصفقة، أن ذلك لا يجوز، مثل من باع زرعا وهو قائم قد استحصد ويبس، لكون البائع عليه توفية المبيع، ولا يمكن توفية الغائب بفور العقد، فصار كمن اشترط في بيع الثمار ألا جائحة فيها، أو باع عبدا قد أخبره على أن ضمانه من مشتريه بنفس العقد، مع كون مشتريه لا يمكنه تصرفه فيه. وما قدمنا نحن من العذر يمنع من هذا التعليل لكون محل الضمان مختلفا فيه، ولم يشترط الضمان في أصل العقد، ولكنه بدل محله بعد عقد البيع، فإن المذهب على قولين في هذا. هل يجوز أم لا؟ فقيل: ذلك جائز، بناء على أن ما بعد العقود يقدر كأن العقد وقع عليها في أصله. كمن اشترى نخلا وفيها ثمر لم يره، ثم بعد العقد اشترى الثمرة، أو اشترى عبدا ثم أراد مشتريه أن يستثني ماله بعد العقد فإن هذا مختلف فيه وإن كان يقال تبدل محل الضمان بعد العقد في بيع الغائب أشد من هذا، لكون الثمر يلحق بالتخل فيملك المشتري الجميع عقدا بعد عقد فكأنه ملك ذلك بعقد واحد. ومال العبد يلحق بملك العبد لا بملك المشتري لكن قد أجاز في كتاب ابن حبيب وفي الموازية أيضا أن يدفع البائع إلى مشتري الجارية عوضا ليبرئه من كل عيب بها لم يعلم به البائع. كما يجوز اشتراط البراءة من ذلك في أصل العقد من كون هذه معاوضة مجردة على أمر مجهول كما أن تبدل محل الضمان في بيع الغائب معاوضة على

ضمان مجرد وذلك غرر محض.

وقد اعتذر عن ما جرى بين عثمان وعبد الرحمان بن عوف رضي الله عنهما (1) من كون عثمان رضي الله عنه اشترط على عبد الرحمن ضمان الفرس الغائبة ثم عاد عبد الرحمن رضي الله عنه فقال لعثمان رضي الله عنه هل لك في أن أزيدك أربعة آلاف درهم وتجعل الضمان منك. وهذه معاوضة على تبديل محل الضمان فقيل: إنهما لم يعقدا البيع، وإنما متساومين (2)، وأشير أيضا إلى كونهما تعاقدا البيع ونقلا الضمان من محله لأنهما ذهبا إلى جواز ذلك على ما قدمناه من أحد القولين. وقد قيل: إن ظاهر هذا الخبر يقتضى اعتقادهما كون ضمان المبيع الغائب من بائعه لأجل احتياج عثمان رضي الله عنه إلى اشتراطه على عبد الرحمن رضي الله عنه. ولو كان الحكم يقتضي كونه من عبد الرحمن الذي هو المشتري لم يفتقر عثمان إلى اشتراط ذلك عليه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٩٢