تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكثرة الغرر فيه. وكأن البائع وصف ما لم يره، وإنما وصف عن وصف آخر له.

وهذا يقتضي كثرة الغرر في هذا البيع ففسد. العقد فيه. بخلاف أن يكون الخيار للمشتري خاصة دون البائع، جريا ممن قال بهذا على ما قدمناه من اعتبار خفة الغرر وثقله وشدته.

فأنت ترى نكتة هذه المذاهب وهي الالتفات إلى كون المعاينة للشيء والمشاهدة تفيد فيه زيادة على ما يستفاد من الخبر عنه، وهذا لا يكاد يختلف فيه على الجملة في أجناس من المبيعات.

فإذا علم أن المبيع من شرطه أن يكون معلوما، وكونه مجهولا يؤثر فيه فسادا فهل هذا التقصير عن بلوغ الكمال في العلم به يلحقه بالمجهول بالكلية فيفسد البيع، كما قاله الشافعي في أحد قوليه، ويسلبه (1) اللزوم دون الصحة كما قال أبو حنيفة، أو لا يبلغ هذا التقصير عن الكمال في العلم به إلى إلحاقه بالمبيع المجهول فيصح البيع ويلزمه كما قال مالك رضي الله عنه، فهذا سر هذه المذاهب الثلاثة. وقد كشفنا عن ذلك وإنما يبقى بعد ذلك النظر في استدلالات من قياس أو أثر يقتضي صحة مذهب دون مذهب.

فأما الظواهر فإنه يتعلق من يجيز البيغ بقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ (2).

وهذا بيع يقتضى عموم الآية جوازه. وقد ذكر ابن سحنون في رده على الشافعي أن ما ورد في الحديث المذكور فيه بيع الملامسة من نهيه عليه السلام عن بيع السلع لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها، يقتضى دليل الخطاب فيه أنهم إذا أخبروا عنها لم ينه عن عقد البيع فيها. وأيضا فإن عثمان بن عفان رضي الله عنه وعبد الرحمن بن عوف تبايعا فرسا غائبة، وكذلك تبايع عثمان وطلحة رضي الله عنهما أرضا غائبة، فقيل لعثمان إنك غبنت. فقال: لا أبالي، لأن لي الخيار.

وحكم بينهما جبير بن مطعم، ولم ينكر أحد من الصحابة عليهم هذه البيوع.

وأيضا فإن الأمة أجمعت على جواز السلم، والذي يسلم فيه غير مرئي وإنما هو موصوف، فلولا أن الوصف للشيء يحل محل عيانه ما جاز السلم فيه. ولهذا لم يجز السلم فيما لا تضبطه الصفة. ولو كانت الرؤية شرطا في صحة العقود على المبيعات لم يجز النكاح إلا بعد رؤية الزوجة، وقد قال عليه السلام: لا تصف المرأة المرأة لزوجها كأنه يشاهدها (1). فأشار إلى كون الوصف يحل محل المعاينة. وإذا كانت المعاينة تبيح العقد فكذلك ما أحله صاحب الشرع محلها. هذه نكت من صار إلى جواز بيع الغائب على الصفة.

وأما من منع منه فإنه يتعلق بأنه - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن بيع الغرر" (2). والاقتصار على الوصف دون المشاهدة غرر. وينفصل الآخرون عن هذا بأنهم لا يسلمون كونه غررا وإذا لم يسلموه لم يلزم إثبات كونه غررا، ولا يثبت ذلك مع ما قدمناه من الأحاديث الدالة على كون الخبر يحل محل المعاينة. واحتجوا بأنه - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن بيع ما ليس عندك" (3) والسلعة الغائبة ليست عند بائعها.

فاقتضى هذا الحديث منع العقد عليها. ويجيب الآخرون عن هذا بأن المراد ما ليس في ملكك ليس ما هو في ملكك غائب عنك، ألا ترى أن ما لا تملكه لا يجوز بيعك فيه، ولو كان عندك. ودليل الحديث أن ما عندك يياع سواء كان ملكك أو ملك غيرك. والنكتة التي يعول عليها عندهم في فساد العقد الاتفاق على أن من شرط المبيع أن يكون معلوما وطريق العلم ها هنا في المبيعات الرؤية لا الخبر، لأن خبر الواحد إنما يفيد ظنا. ولو فرض ها هنا أخبار متواترة عن الوصف لم يحصل العلم بحقيقة المبيع الذي يحصل عن الرؤية. وكون المبيع عليها لم يتغير، ولو كان عليها حين العقد لأمكن أن يتلف العين بعد العقد وقبل القبض. وهذا الإمكان يرفع العلم وإذا ارتفع العلم صار المبيع مجهولا وهذه النكتة قد فرغنا نحن من الجواب عليها فيما مضى. وينفصل عن

القياس على السلم بأن البيع في السلم في الذمة ليس بمعين ولو عقد الأمر فيه على التعيين لفسد، لأن السلم في الاعيان لا يصح، فلم يبق طريق إلى هذا المبيع يتوصل إليه إلا الوصف. وأما النكاح فإنه لا يشترط فيه الصفة كما لا تشترط الرؤية فلا يصح إلحاقه بالمبيعات ائتي لا تصح إلا بالرؤية أو الصفة.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٨٩