تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما بيع عين غائبة على مسافة مفرطة في البعد جدا حتى يكون العقد على تلك العين التي في أقطار بعيدة لا يكاد أن يحصل منها وتعرف حقيقتها فإن (1) لا يجوز.

وأما ما قصر عن ذلك وارتفع عن القرب القريب الذي ذكره ابن شعبان فإن عندنا جواز البيع على الصفة. ويجب أن تذكر الصفات المقصودة التي تختلف الأغراض فيها والأثمان باختلافها، لأن ذكره ما سوى هذا من الأوصاف لا يرفع الغرر، لأن المشتري يجوز أن يكون ما لم يوسف له من أوصافها جيدا ويجوز أن يكون رديا، والعقد على التزام ذلك على أي حال كان من هذا غرر وخطر، فإذا استوفى ذكر الأوصاف التي تختلف الأغراض فيها فقد اجتهد في رفع الغرر، لكن هذا وإن بالغ فيه فإن للمشاهدة زيادة في الاستحسان والاستقباح وتقوية الأغراض وضعفها، على ما علم من جهة الوصف والخبر. لكن لأجل هذا التقصير الذي وقع عن المعاينة اختلف الناس في هذا البيع هل يجوز أم لا؟ فذهب الشافعي في أحد قوليه إلى منع جوازه. وذهب أبو حنيفة إلى جوازه ونفى لزومه، وجعل المشتري الذي إنما علم حقيقة المبيع من الوصف له الخيار إذا رآه.

وأنت قد علمت أن للبيع أوصافا وأحكاما، فمن أوصافه الجواز والمنع، ومن أحكامه اللزوم والانعقاد والخيار، فسلبه الشافعي ها هنا في أحد قوليه الجواز والصحة. ولا شك أن ما انتفى عنه الصحة والجواز انتفى عنه اللزوم.

فالوصفان جميعا قد سلبا عنه عند الشافعي في أحد قوليه. وذهب مالك إلى ثبوت الوصفين جميعا لهذا البيع وهما الصحة والجواز واللزوم، فإذا عقد هذا البيع ووجد المبيع على الصفة المشترطة لزم المشتري البيع.

وذهب أبو حنيفة إلى نفي أحد الوصفين عنه، وهو اللزوم والانعقاد، وأثبت الصحة والجواز، وجعل للمشتري الخيار إذا رآه، وقد عقد على الصفة، ووجد المبيع على الصفة المشترطة. لكن أبا حنيفة توسع في هذا، وذهب إلى أنه يجوز العقد في هذا على الجملة وإن لم يذكر الجنس والنوع، بشرط أن يشار

في حال الانعقاد للبيع إلى عين متميزة بالمكان، مثل أن يقول: بعتك ما في صندوقى أو ما في يدي، أو ثوبا (أي جزني) (1) بالبصرة، أو ما في دار (2) ببغداد، فإن هذا يجوز عنده ويكون للمشتري إذا اطلع عليه ورآه الخيار في التزام هذا البيع أورده. بخلاف أن يقول: بعتك ثوبا، ولا يشير إلى مكان يدل على التعيين والتمييز، فإن هذا يلحق بالسلم في غير شيء موصوف، فيفسد.

ولهذا جاز بيع ثوب من أحد ثلاثة أثواب على خيار المشتري لأحدها لما أضيف هذا التخيير إلى تعيين، ولو كانت أثواب أربعة لم يجز ذلك، وإن حصل فيه ما صوره من التعيين، لأن البيع لثوب من ثلاثة غرر، والقياس منعه، لكن يستحسن جوازه لقلة الغرر. وكما أن الأصل عنده منعه بيع الخيار على الجملة لما فيه من غرر، ولكنه أجيز منه خيار ثلاثة. أيام لخفة الغرر فيها، ومنع اشتراط أربعة أيام لشدة الغرر فيها. وأيضا فإن الثلاثة من العدد تشتمل على الثلاثة من الأوصاف ائتي لا دافع لها، وهي كون الشيء، جيدا أو دنيئا أو وسطا. وهكذا كل جنس من أجناس المبيعات له طرفان وواسطة. فالثلاثة أثواب قد تشتمل على الثلاثة أوصاف من غير تكرير، وما زاد على هذا من العدد قد تكرر فيه بعض هذه الأوصاف فيشتد الغرر، فلهذا أجاز بيع غائب أشير إليه بالتمييز على الجملة الدالة على كونه عينا موجودة، بخلاف ما لا يشير إليه بذلك بل يشار إليه بكونه سلما في الذمة.

وعلى هذا الأسلوب اختلف أصحاب الشافعي أيضا على قولين بناء على أحد قولي الشافعي في جواز بيع الغائب هل يكون خيار الرؤية ثابتا للمشتري خاصة والعقد في حقه موقوف على اختياره ولازم للبائع أو يجوز أن يكون خيار الرؤية لهما جميعا مثل أن يكون البائع ورث سلعة لم يرها فباعها على الضفة ثم رآها هو والمشتري بعد العقد. قال بعضهم: يكون الخيار للبائع في إمضاء البيع إذا رأى المبيع كما يكون ذلك للمشتري. وقال بعضهم: لا يجوز عقد هذا البيع

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٨٨