تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى هذا الأسلوب يجري بيع الأعمى وشراؤه فإنه إن عمي بعد أن كان أبصر أجناس المبيع وصفاته حتى يتخيله بالوصف كما يتخيله بالبصر فان عقده جائز.

وإن كان خلق أعمى فإن أبا جعفر الأبهري منع عقده في المبيعات لكونه لا يتخيل الموصوفة يحل (1) الوصف. وأجازه القاضي أبو محمد عبد الوهاب تقريرا منه أن الوصف قد يتصور فيه الموصوف على الصفات التي يرغب التجار فيها ويزهدون فيها.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:

أما خيار الرؤية فلا يخلو من قسمين إما أن يثبت حكما أو يثبت شرطا.

فأما إثباته حكما فلا شك في أن المبيع إذا وجد مخالفا للصفة التي وقع العقد عليها فإنه غير لازم للمشتري، وله رده على البائع، كما يرد المبيع بعيب اطلع عليه لم يبين له حين العقد، لكونه خلاف ما دخل عليه. وأما إن وجد المبيع الغائب مطابقا للصفة التي وصف بها فإنه لا خيار للمشتري لأن الوصف يحل محل المعاينة، كما وصفنا، وإذا لم يكن له خيار بعد أن عاين فلا خيار له إذا أخبر ووجد المخبر عنه على ما هو عليه مما تضمنه.

وذهب أبو حنيفة إلى أن للمشتري خيار الرؤية، كما قدمناه عنه، لأجل أن الوصف يقصر عن العيان فلا بد لهذا التقصير من تأثير. ففقد العين المبيعة يؤثر منع العقد على البيع، والتقصير في الوصف يفيد نفي اللزوم، لأن الوصف تابع للعين، فإذا أفاد فقد الأصل منع العقد وجب أن يكون فوت بعض الوصف وهو ما قصر عن العيان يعيد نفي اللزوم، حتى يكون التابع أفاد نفي اللزوم، والمتبوع

أفاد نفي العقد. وتعلقوا في هذا بما رواه أبو هريرة من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ابتاع شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه" (1) وهذا نص فيما قلناه. لكن الدارقطني طعن في بعض رواة هذا الحديث. وقال: إنه كان وضاعا للحديث.

وقد اتفق على مطالبة المشتري بحكم العيب إذا اطلع عليه، ومعنى اطلاعه على العيب أنه علم فوت وصف من البيع فكان الخيار له.

وكذلك يكون له الخيار إذا فاته الوصف الذي بين المعاينة والخبر، ولا يؤثر الاطلاع على العيب فسادا في العقد لفوت هذا الوصف، فاقتضى هذا أن بيع الغائب لا يفسد، كما لا يفسد عقد البيع إذا اطلع في المبغ على عيب فات المشترى حين العقد العلم به. وإنما يثبت له الخيار. فهكذا يكون حكم الغائب.

ورأيت بعض أصحاب الشافعي حرر قياسا يمنع فيه من المناقضة بثبوت الخيار عند إلاطلاع على العيب: بأن المبيع ثبت فيه خيار جملة النقص، ولا يثبت في كل مبيع. وتحرز بهذا التقييد من أن يناقض بثبوت الخيار من جهة الاطلاع على العيب، وتحرز بقوله: لا يكون في كل مبيع، من المناقضة بخيار المجلس، فإن المتعاقدين بالخيار ولو طال مجلسهما، وأمر افتراقهما غير محدود بطول أو قصر، ومع هذا فإن الخيار قد ثبت فيه لكل واحد من المتعاقدين، ولم يمنع من ذلك جهالة الأمر فيه، بخلاف خيار الرؤية في بيع الغائب فإنه خيار إلى أمد مجهول وإلى أمد طويل، والجهالة بأمر الخيار وطول زمانه تفسد العقد، فلو ثبت خيار الرؤية في بيع الغائب لوجب فساد العقد لطول أمد الخيار، والجهالة بمقداره.

ولما ردوا على أبي حنيفة مذهبه بأن ثبوت خيار الرؤية يجب أن يفسد العقد، ناقضهم أصحابه بما أثبتوه من خيار المجلس. فاعتذر بعضهم بهذا الذي أشار إليه في تقييد قياسه: أن خيار المجلس يثبت في كل مبيع، وخيار الرؤية في بيع الغائب لايثبت في كل مبيع.

وانفصل بعض أصحاب الشافعي بانفصال آخر وهو إن خيار المجلس

عندهم لو رضي من له الخيار بإسقاطه لسقط. والخيار الذي أثبته الشرع في بيع الغائب لو أسقطه المشتري والتزم البيع من غير خيار قبل أن يراه لم يصح رضاه، فاقتضى هذا كون إثبات خيار الرؤية يفسد العقد لما كان لا قدرة للمتعاقدين على إسقاطه والتزام العقد في الحال، وبخلاف خيار المجلس. وأما العقد على المبيع الغائب من غير رؤية تقدمت ولا وصف له لكنه اشترط فيه خيار الرؤية، فإن المعروف من المذهب عندنا جواز هذا العقد على حسب ما ذكره في المدونة. وذهب ابن القصار والقاضي أبو محمد إلى منع هذا العقد، وأنكره أيضا أبو بكر الأبهري. وقال:. إنه خلاف الأصول. تقديرا من هؤلاء الذاهبين إلى هذا أن أمر الخيار مجهول، والجهالة تقتضي فساد العقد، على حسب ما قدمناه وبينا ما قيل فيه من المناقضة والعذر عنها.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٩٠