تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما بيع ما ليس بعين يشار إليه، فالتمييز في الوجود ولكنه العقد على موصوف في الذمة، فهذا هو السلم. وقد تقدم في كتاب السلم ذكر الدليل على جوازه، والعلة في جوازه أيضا، ولا خلاف فيه على الجملة، وأشرنا إلى أن الاقتصار به على الصفة مما تدعو الضرورة إليه، لأنه لو كان عينا موجودا لم يصح السلم فيها، بك يكون العقد على هذه العين المعينة بشرط ضمانها إلى أجل إن هلكت قبله أتى البائع بمثلها. وقد بئنا هناك ما في هذا من الفساد، فإذا إستحال هذا الوجه لم يبق بعده إلا الاقتصار على موصوف في الذمة فلهذا أجمع على جواز السلم.

وأما بيع عين يشار إليها بالتمييز في الوجود من غير مشاهدة بل يقتصر فيها على الصفة، فإن ذلك لا يخلو من أن يكون هذا المبيع سلعة حاضرة بين أيدي المتعاقدين يمكن النظر إليها والإحاطة بها بالمشاهدة لها جملة وتفصيلا من غير مشقة تلحق في ذلك، أو لا يمكن ذلك إلا بعد مشقة.

فأما إن أمكن ذلك من غير مشقة لكونه ثوبا مطويا بين أيدي المتعاقدين غير مستور بشيء ولا كلفة في نشره، فإن هذا، المعروف من المذهب أنه لا يجوز العقد فيه على (1)، والعدول عن المشاهدة له على الجملة والتفصيل إلى الاقتصار على الصفة مخاطرة وتغرير وضرر لم تدع حاجة إليه. وقد اشتهر أن الخبر ليس كالمعاينة، ونحن نجد من أنفسنا أن الشيء يوسف لنا ويجتهد الواصف له في البيان عنه وعن صفاته، فإذا وقع البصر عليه قصر عما تحملته النفس منه من الخبر، أو زاد على ذلك. وهذا يقتضي كون العدول عن النظر إلى الخبر غررا في البيع. وقد رأى بعض أشياخي أن المذهب في هذا على قولين، تعلقا منه بما وقع في المستخرجة فيمن قال: أبيعك كذا وكذا ثوبا في صندوقي هذا. ووصف المبيع للمشتري، وسلمه إليه. فلما غاب عليه زعم أنه لا يوافق الصفة التي سمعها من البائع، أن المشتري لا يصدق في هذا بعد غيبته عليه، والبيع لازم له. وهذا الذي تعلق به من هذه الرواية قد لا يسلم له لإمكان أن يكون فتح التابوت وإخراج ما فيه من الثياب وتقليبها واحدا واحدا، ثم ردها إليه، فيه مشقة، وربما غير رونق المتاع، فلهذا أجازه ها هنا كما يجيز بيع البرنامج. وكذلك لو كان الثوب المبيع مخبئا في وعائه، كساج في جرابه، فإن المذهب فيه على قولين في كتاب ابن المواز. وهذا أيضا يمكن أن يكون إنما أجازه في أحد القولين لكون إخراجه من جرابه يفسد رونقه، وقد يشق إخراجه وإعادته، فأشبه ذلك بيع البرنامج، فيكون على هذا التأويل ما لا يشق النظر إليه لا يختلف في منع بيعه على الصفة لكون الصفة لا تحل محل العيان، والعدول

عنها مع القدرة عليها من غير كلفة غرر وجهالة بالمبيع، فأشبه ما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من بيع الملامسة (1). وهو الاقتضار في الثوب المطوي على لمسه خاصة دون أن يوسف باطنه. ولكن هذا أوضح في الغرر والخطر لعدم الوصف له على التفصيل. وإذا كانت الصفة لا تحل محل العيان صار تركها يقتضي العقد على مبيع مجهول، لا سيما لو كان العقد على جارية فإن هذا لاخفاء بأن للمشاهدة من الاستحسان أو الاستقباح ما لا يوجد في الخبر أو الصفة.

وأما إن كان هذا الحاضر مشدودا في عدل كما يشد التجار أصناف المتاع في الأعدال العظيمة ويقتصرون في بيع ما (2)، على ما أثبتوه في البرنامج من عدد كل صنف مما اشتمل العدل عليه وصفاته، فإن المذهب في هذا على قولين، المعروف منهما والمشهور جواز العقد على ذلك مقتصرا فيه على الصفة دون المشاهدة. وقد أشار مالك رضي الله عنه في الموطإ إلى كون هذا متفقا عليه عندهم، ولم يزل الناس يجيزونه عندهم. وهذا لاتضاح المشقة فيه، وكون العدل إذا حل رباطه ووقف على ما فيه ثوبا ثوبا، بعد النشر لكل ثوب، ثم يطوى ويعاد جميع ذلك إلى العدل ويشد، فإن هذا تتكلف فيه المشقة الشديدة، وقد يفسد رونق المتاع ويهجن منظره. فلهذا كان المعروف من المذهب جواز البيع في هذا. لكن ابن شعبان ذكر في مختصر ما ليس في المختصرا نه لا يجوز البيع على البرنامج ولا سلعة غائبة على مسيرة يوم، وكأنه رأى أن المشاهدة والرؤية في هذا ممكنة ولا تبلغ المشقة فيه إلى إباحة ركوب الغرر والاقتصار على الخبر دون المشاهدة والنظر. وكذلك قدر في مبيع على مسافة يوم من مكان المتعاقدين إن إحضار ذلك لا يشق مع قرب هذه المسافة (يوم) ولا تبلغ المشقة فيه إلى العفو عن هذا الغرر الذي هو الاقتصار على الخبر دون المشاهدة والنظر.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٨٧