تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4) وهل يباح للوكيل أن يسلم لنفسه أو لمن يتهم فيه؟

5) وهل يتقيد مطلق الوكالة بالعادة؟

6) وهل للوكيل أن يوكل غيره؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: الوكالة على السلم جائزة، كما تجوز في سائر عقود المعاوضات ثم لا يخلو الوكيل من أن يصرح بأنه وكيل على العقد خاصة والثمن مطلوب به الموكل، أو يصرح بأن الثمن عليه، أو لا يصرح بأحد الوجهين.

فإن صرح بأحد الوجهين قضي بموجب تصريحه من براءته من الثمن أن اشترط البراءة منه، أو إلزامه إياه إن اشترط التزامه. كذلك المسلم فيه الذي

وكل على عقده.

هكذا ينقسم الأمر في الوكالة على المعاملة بالنقد، فإنه إن وكل على بيع سلعة كان له قبض ثمنها، وإن وكل على شرائها، وأخبر البائع أنه وكيل لغيره، فإن ابن المواز رأى أن مجرد إخباره بأنه وكيل لغيره، أو أنه اشترى السلعة لغيره لا تسقط عنه المطالبة بالثمن. وذكر أنه إذا قال البائع (1): فلان بعثني لأشتري له هذه السلعة منك. فإن هذا لا يبرىء الوكيل من الثمن. قال: لأنه يقول له البائع: أنت مشتر مني، ولا أبالي هل شراؤك لنفسك أو لغيرك. وذكر في المبسوط عن مالك: أنه إذا وجد البائع الدراهم زيوفا أنه لا يلزمه بدلها، وإنما يطالب بالمال الموكل، إذا كان قد أخبر الوكيل البائع أنه إنما اشترى لغيره.

وهذا يقتضي عند بعض أشياخنا أن المذهب على قولين في مطالبة الوكيل بالثمن إذا لم يصرح بالتزامه ولا بالبراءة منه. ورأى أن هذا الاختلاف ينبني على الاختلاف في البيع هل هو العقد بمجرده أو هو التقابض العوضي. وعلى هذا أجرى اختلاف قول مالك في ضمان العبد المحتبس بالثمن، هل يضمنه المشتري؛ لأن البيع هو العقد، وقد حصل، أو لا يضمنه؛ لأن البيع هو القبض، وهو لم يحصل. فكذلك يختلف في مطالبة الوكيل بالثمن. فإذا قيل: إن البيع هو العقد، فقد نجز ما وكل عليه، وفرغ منه؛ لأنه إنما وكل على البيع، وقد حصل. وإن قلنا: إن البيع هو التقابض، فإن الوكيل يطلب بالثمن؛ لأنه لا يحصل ما وكل عليه وعقده إلا بالتقابض. وهو (2) الذي أسند إليه هذا الاختلاف في المحتبسة بالثمن في هذه المسألة لا يستقيم، إذا اعتبر بحقائق الأصول.

وسنبسط الكلام على هذا عند كلامنا على المحتبسة بالثمن، وذكرنا لما ذكره الشيخ أبو الحسن بن القابسي رحمه الله من كون الخلاف فيها مبنيا على ضمان الحيوان، وما لا يغاب عليه في الرهبان، ولما ذكره غيره من الأشياخ من كون الخلاف في ذلك مبنيا على مراعاة مضي قدر التسليم بعد زمن العقد. ولكن

الضابط: الحقيقة في هذا أن الأصل براءة الذمة، ولا تعمر إلا بدليل يوجب تعميرها. وقد علمت أن الطرفين اللذين ذكرناهما، وهما اشتراط الوكيل البراءة من الثمن أو التزامه له، متفق عليهما، ويبقى النظر فيما بين هذين الطرفين، فإن كانت العبارة الصادرة من الوكيل: بعثني إليك فلان لتبيع منه، فإن هذا يقتضي أنه غير مطلوب بالثمن، لكونه قد (1) أسند البيع إلى الموكل. وإن عبر عن هذا بأنه قال: بعثني لأشتري منك. كان مطلوبا بالثمن؛ لأنه قد يراد بهذه العبارة أنه دلني على الشراء منك لنفسي. فلا يسقط عنه ما يوجبه مقتضى العقد من مطالبة المشتري بالثمن.

وإن كانت العبارة: لأشتري له؛ أو ما في معنى هذا، كان هذا على القولين المذكررين عن كتاب ابن المواز، وعن المبسوط. على أنا إذا قلنا: إن الخلاف في هذا يستند إلى النظر في البيع، هل هو التعاقد أو التقابض، كان ما وقع في المبسوط خلافا لما وقع في الموازية. وإن قلنا: إنه يلتفت في هذا إلى العرف والمقاصد، أمكن أن يقال: إنه إذا وكل على شراء بالنقد، فقد دفع إليه النقد على مقتضى غالب العادة، فلا يصدق في أنه لم يدفع إليه. وإذا دفع النقد، وظهر فيه زيوف يمكن أن لا يكون علم بها، فإنه قد ادعى من هذا ما يمكن والبدل لم يقتضه حكم العقد في غالب العادة. ولو أنكر المسلم قبض الثمن والعقد، فإنه يحلف ويبرأ، ويسقط عنه السلم.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٨