تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واختلف في غرامة الوكيل الثمن الذي دفعه بغير إشهاد حتى جحده القابض، فقيل: يغرم؛ لأنه كمتلف رأس المال على من وكله. وقيل: لا غرامة عليه. وقد علم أنه لو شرط له أن لا يدفع إلا ببينة، فدفع بغير بينة، أنه ضامن، لتعديه ما أذن له فيه. ولو شرط أنه يدفع بغير إشهاد لم يضمن لرضا رب المال له بذلك. فإذا لم يشترط أحد الوجهين فعلى ماذا يحمل أمر الوكيل منهما، هذا منشأ الخلاف.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:

إذا شرط المسلم في العقد أن الموكل إن لم يقر بالوكالة. فالوكيل ضامن المسلم فيه، ومطلوب به .. فإن هذا أجازه ابن القاسم في المدونة، ومنعه سحنون ورآه غررا، ومنعه أشهب ورآه دينا بدين. وقد علم أن الغرر في العقود ممنوع. وكذلك الدين بالدين.

ولكن وقع النزاع في تصور الغرر في هذا العقد.

فرأى ابن القاسم أنه لا غرر فيه فأجازه، وإن كان المسلم فيه مترددا بين.

ذمتين لا يدري المسلم من يطلب منهما، كما أجيز البيع على الحميل والبائع يجهل من المطلوب بالثمن هل المشتري إن كان حين الطلب غنيا أو الحميل إن كان المشتري حين الطلب فقيرا.

ورأى سحنون أن هذا غرر وتخاطر في العقد، لكون دافع رأس مال السلم لا يدري أي الذمتين يطلب: أذمة الوكيل أم الموكل؟ ويعلم أن المسلم فيه لم يستقر حين العقد في ذمة معلومة بل يتردد استقراره ما بين ذمتين، وهذا غرر ظاهر. ولا ينقض هذا بإجازة البيع على الحميل، لأجل أن المشتري مطلوب بالثمن، وهو مستقر في ذمته، وإن طرأ عليه فقر فإن ذلك لا يسقط الطلب عن ذمته متى أيسر. ولا يبرىء فقره ذمته من الثمن. لكن أخذ الحميل تقوية لذمة المشتري أو زيادة في الثقة بها. والثمن لم يتردد في استقراره في ذمة المشتري في كل الأحوال، حين العقد وبعده، بخلاف البيع باشتراط حميل.

ومن الأشياخ من يشير إلى طريقة أخرى وهي المساواة بين تردد الثمن بين ذمتين كما صورناه في مسألتنا، وفي مسألة اشتراط الحميل. فإن مسألتنا هذه ذكر في الكتاب أن المأمور قال: إن فلانا أمرني. وكلامه محمول على الصدق، وأكد تصديقه بالتزام المبيع في ذمته إن جحد الآمر، وجحود الآمر بعد إقراره أم رنا در، والنوادر لا تراعى في العقود، وإمكان جحوده بعد إقراره كإمكان فقر الغريم بعد ملائه حتى يفتقر إلى طلب الحميل، والعقود لا يراعى فيها من الغرر

ما ليس بمقصود. وما صور من غرر في مسألة الحميل، وتردد الثمن بين ذمتين. الغرر في المسألتين غير مقصود، وإنما القصد، بما اشترط فيهما، التوثقة، فلم يمنع ذلك كما لم يمنع الرهبان.

وأما ما أشار إليه أشهب في تعليله من منع تردد الثمن بين ذمتين، فإن ذلك دين بدين، فإنه يقدر أن المبيع استقر في ذمة الآمر على مقتضى قول الوكيل، وتصديقه فيما قال، فيكون بجحوده يقتضي نقل ما في ذمته إلى ذمة الوكيل، وبيع الدين الذي عليه بدين يصير على الوكيل. وهذا أيضا قد يجاب عنه بما قدمناه من كون القصد ها هنا التوثقة وتأكيد ما في الذمة، لا التخاطر، ولا بيع ذمة بذمة. قد استقر الدين في الأولى ثم عاوض عنها ذمة أخرى.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:

قد تقرر في الشرع جواز التوكيل والاستنابة فيما يجوز النيابة فيه. لكن قد يعرض عارض يمنع من الاستنابة التي هي جائزة في الأصل على الإطلاق، وذلك بأن تتضمن الوكالة الوقوع في فعل حرام، أو كون الغالب الوقوع فيه، ولهذا يصح الرجوع. ولهذا يمنع من أن يوكل المسلم النصراني على بيع أو شراء يغيب عليه، لكون النصراني وغيره من الكفار يستحلون في شرائهم ما لا يستحله المسلم الموكل لهم. ولهذا ينهى المسلم أن يقارض ذميا، لكونه يتخوف منه أن يعامل بالربا، وما لا تحل المعاوضة به. وقد قال ابن المواز: إن نزل هذا تصدق المسلم بالربح.

وهذا الذي قاله ابن المواز إنما يخلص فيما يتخوف من الحرام أن يكون فعله النصراني من الربا، (إلا من رأى نقض ما فعل وإن لم يعلم من عامله تصدق بالربح لكون الربح هو الحرام) (1) قال الله تعالى: ﴿وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم﴾ (2)، وأما لو وقع الوكيل الذمي أو المقارض الذمي في المعاوضة

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٩