تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا اتضح أن العلة في تصديق مدعي الصحة كونه ادعى الأشبه، لأجل أن البياعات الصحيحة هي الغالب في بياعات المسلمين فقد كان شيخنا رحمه الله يذهب في هذا إلى أن بعض أجناس البياعات لو غلب على المتعاملين فيها الفساد لصدق مدعيه. ونستشهد على هذا بأنه قد صدق الزوجة، إذا أرخى الزوج عليها الستر، أنه وطئهالأولو كان ذلك في نهار رمضان الذي لا يحل الوطء فيه، لما كان الغالب كون الستر لا يرخى على الزوجة إلا وهو مبادر إليها وإلى جماعها.

وهكذا قيل في المغارسة إذا غلب على أهلها التعاقد على الفساد أنه

يصدق من ادعاه. وهذا الذي قاله صحيح على مقتضى أصل المذهب الذي قررناه مرارا من الاستشهاد بالعوائد. وقد نص ابن المواز على أنهما إذا اختلفا في الصحة والفساد، وفي مقدار الثمن، أنهما يتحالفان ويتفاسخان. وهذا هو الذي قدمناه عن المشهور من المذهب أنه لا يراعي دعوى الأشبه في الاختلاف في الثمن مع قيام السلعة، فأجراهما ابن المواز ها هنا على حكم الاختلاف في مقدار الثمن خاصة، مع اتفاقهما على صحة العقد، مع كون دعوى الأشبه لا تعتبر كما بيناه.

وقد وقع بين الأشياخ تنازع في هذا الذي قاله ابن المواز، فبعضهم رأى أنه مذهب صحيح، وهو البخاري على أصل المذهب، وهو الذي يدل على صحة عموم الحديث، وهو قوله عليه السلام: "إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع" الحديث الذي تقدم ذكره مرارا. ولم يفرق في هذا الحديث بين كون أحدهما ادعى مع هذا صحة أو فسادا بل ذكر البداية بالبائع عموما. وخالفه غيره في هذا، ورأى أن أصول الشرع تقتضي الطرد عن الأيمان عند التخاصم والتحاكم، ما أمكن، لئلا يكون من ألزمناه اليمين كاذبا، فيحمله على الإثم.

فإذا كان البائع المخالف من الثمن هو مدعي الفساد وجب أن يبدأ به، أخذا بعموم الحديث. فإن حلف استحلف المشتري وانفسخ البيع بتحالفهما، وإن بدأ بالبائع المدعي للفساد، على ظاهر الحديث، فنكل، حلف المشتري وصح البيع بالثمن الذي ذكر، ولم يفسخ. وإن نكلا جميعا فسخ البيع على حسب ما قدمناه في بيان حكم تناكلهما جميعا.

وأما إذا كان البائع هو مدعي الصحة والمشتري هو مدعي الفساد، فإنا نبدأ ها هنا بالمشتري لأنه إن حلف فسخ البيع بمجرد يمينه من غير مطالبة للبائع باليمين؛ لأنه لو طلبناه بها فحلف فلم يفده إلا فسخ البيع، وفسخ البيع قد ثبت بيمين المشتري عليه، فلا يحسن إذا حلف المشتري المدعي للفساد أن يطالب البائع بيمين لا تفيد شيئا، ويدعى إلى ما هو لغو غير مفيد، وقد يكون فيه آثما إن كان كاذبا. فلما تصور ها هنا أن البداية بمدعى الفساد، بائعا كان أو مشتريا،

يقتضي ألا يحلف سواه، إذا كان ذلك أولى من البداية بيمين من ادعى، استحلفنا غيره. وهذا الذي نصره الشيخ أبو إسحاق. ورأى غيره أن الأولى البداية بمدعي الصحة؛ لأنه قد ينكل عن اليمين فلا يحلف، فينفسخ البيع، حلف مدعي الفساد أو نكل، فيكون نكول مدعي الصحة مقتضيا إسقاط اليمين عن الآخر، يحصل من هذا تقليل الأيمان كما قدمناه. ولكن قدرها الشيخ أبو إسحاق من جهة وقوع اليمين ممن بدأنا به. وقدرها غيره بنكول من بدأنا به، فحصل التقليل من الأيمان، ولكن هل بيمين أحدهما أو بنكوله؟ هذا الذي وقع فيه التنازع.

فصل ألحقناه لأجل ما توخيناه من الجري على ترتيب المدونة، وهو الكلام على الوكالة على السلم. ثم الكلام على تعدي الوكيل. وكانت الرتبة تقتضي تأخير هذا الكلام إلى كتاب الوكالات حق ذكرنا عذرنا في تقدمته ها هنا. والكلام في الوكالات على السلم يشتمل على ستة أسئلة منها أن يقال:

1) من المطلوب برأس مال السلم: الوكيل أم الموكل؟

2) وهل يصح عقد السلم على كون الثمن مترددا بين ذمة الوكيل والموكل؟

3) وهل يجوز توكيل من ليس بمسلم؟

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٧