وأما التفرقة بين أن يكون دفع الثمن قبل العقد أو بعده، فإنه إذا دفع ذلك قبل العقد قصر الوكيل على الثمن المدفوع، وكأنه شرط ألا يعقد على ذمته بل على عين ما دفعه إليه. وإذا لم يدفع ذلك إليه فكأنه أمره بالعقد على ذمته فلا تزال ذمة الموكل مطلوبة حتى يصير إلى بائع السلعة.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
إذا اشترى رجل عبدا بمال دفعه إليه، فإنه إذا عقد الشراء على أن يكون العبد ملكا له، لزمه العقد ودفع الثمن من مال نفسه. فإذا دفعه من مال لا يستحقه بل يستحقه سيد العبد الذي باعه فإنه يبقى للبائع ما دفعه إليه من مال عبده، ويطالبه بأداء الثمن من مال نفسه، كما لو غصب دنانير دفعها في ثمن هذا العبد فأخذت من يد البائع بالاستحقاق، فإن المشتري يطالب بخلفها.
وإن كان الثمن عرضا انفسخ العقد لأن من اشترى عبدا بدنانير أو دراهم فاستحقت الدنانير أو الدراهم من يد من دفعها المشتري إليه كان على المشتري خلفها. ولو اشترى العبد بعرض فاستحق العرض من يد البائع كان له ارتجاع عبده. فإذا كان المشتري إنما دفع مال العبد عرضا فهو ملك لسيد العبد، وكأن سيد العبد استحقه وإنما باع العبد به، فإذا استحق رجع في عبده.
وهذا التعليل، الذي ذكرناه، لأجله فرق بين أن يكون المشتري استثنى مال العبد لما اشتراه أو لم يستثنه. فإنه إذا لم يستثنه كان المال المدفوع للبائع مما يستحقه البائع. فإذا اشترطه المشتري لم يستحقه البائع وصار أيضا المشتري
كأنه هو الذي استحقه وملكه لما استثناه وقدر على ملكه بالانتزاع، فلم يدفع في ثمن العبد إلا ما قد استحقه وهو في حكم ملكه. ولم يقدروا كون هذا العبد وهب هذا المال لمشتريه قبل عقد البيع فيكون لسيده رد هبته، فيبقى هذا الحكم واجبا للسيد بعد البيع لأنه إنما له رد الهبة بشرط بقاء الملك، وإذا سقط ملكه عن العبد وعن ماله سقطت الحقوق التابعة للملك من رد ما وجب له رده لو بقي على الملك.
وهذا إذا كان إنما اشترى العبد ليملكه وأما إن اشترى العبد ليملك نفسه واستثنى المشتري ماله، فإن العبد يكون حرا، إذ يستحيل أن يملك العبد نفسه.
ولا مقال للسيد لكون المال لما استثني سقط مقالط البائع فيه كما قدمناه. فأما إن كان المشتري لم يستثنه فإنه قد بقي حق البائع فيه. وكأن المشتري اشتراه بمال ودلس على البائع فدفع له ما هو مال له. فكان الواجب أن يغرم المشتري الثمن الذي دفعه إلى البائع، وهو ما لا ملك له عليه وإنما هو من أملاك البائع. لكن في الموازية أنه يبقى رقيقا لسيده الذي باعه. وكان مقتضى الأصل الذي قدمناه أن يغرم المشتري ثمنه ثانية، كما بيناه إذا اشتراه ليملكه، لأن من اشترى شيئا فعليه ثمنه، ولو اشتراه شراء وكالة. لكن هذا إذا اشترى العبد ليملك العبد نفسه كنا إذا غرمناه الثمن لم يجد مرجعا، ولا يأخذ عنه عوضا، لكون العبد قد عتق بهذا الشراء، وولاؤه لسيده لما كان عتقه بمال هو كملك لسيده. فلهذا ذكر ابن المواز أنه يبقى رقيقا ولا يغرم مشتريه الثمن ثانية، لكونه لو غرمه لم يأخذ عنه عوضا.
وقد كنا قدمنا في هذا الكتاب الإشارة إلى هذا التعليل في اختلاف الوكيل والموكل فيما وكل الوكيل على شرائه. ولو كان الثمن على هذا عرضا لبطل العقد لما قدمناه من كون استحقاق العرض يوجب انفساخ العقد ويرجع العبد ملكا لسيده. ولا يمنع من رجوعه ملكا كون العقد وقع على أن يملك العبد نفسه فيعتق، والعتق فوت في الاستحقاق، لأن مشتريه لم يبتد عتقه، وإنما أعتقه الشرع لاستحالة ملك الإنسان نفسه، مع كون مشتريه ها هنا لا يطالب
بغرامة الثمن لأجل ما قلناه. بخلاف أن يشتري العبد ليملكه فإنه يطالب بالثمن ثانية لكونه أخذ عنه عوضا وهو العبد. ولو اختلف ها هنا الموكل، وهو العبد، ووكيله، وهو مشتريه، هل وقع العقد على أن يملك العبد نفسه، أو يكون ملكا لمشتريه؟ فإن القول قول المشتري ها هنا، لأن الحوز واليد وتولي الشراء دليل على الملك، فصار العبد مدعيا خلاف ما يقتضيه الظاهر. ولا مطالبة للعبد باستحلاف مشتريه على هذه الدعوى، لأن قول العبد: إنما اشتريتني لنفسي معناه أني حر، ودعوى العبد العتق لا يوجب يمينا.