وهذه الطريقة التي سلكوها تنظر عندنا إلى ما وقع في الموازية في تصديق من ادعى رد شيء استأجره بحضرة بينة أنه مصدق في الرد لكونه قادرا على أن
يدعي الضياع فيبرأ، فصدق ها هنا في وجه الحكم (ألا يصدق فيه) (1) لما كان قادرا على أن يدعي وجها آخر يصدق فيه وهو ضياع ما استأجره.
فإذا أحطت علما بحكم دعوى الرد لغير من دفع إليه أو لمن دفع إليه فإنه قد يقع في النفس إشكال: فيمن التقط لقطة فزعم أنه ردها لمستحقها، وأنكر مستحقها أن يكون قبضها منه. أو هبت الريح بثوب ألقته في دار إنسان فزعم أنه أعاده إلى مستحقه. لأن هذا لم يدع أنه زد ذلك لمن دفعه إليه، ولا يدعي أنه رده أيضا للشخص الذي دفعه إليه. فذهب أبو حامد الإسفرائيني إلى أنه لا يصدق؛ لأن مستحق هذا لم يدفعه إليه فيصدق في الرد عليه. وهذا الذي قاله لا يسلم له، أما عند من اعتبر قدرة الإنسان على التخلص بدعوى الضياع فلا خفاء، بأن هذا مصدق، لكونه مصدقا في ضياع اللقطة وما ألقته الرياح عنده.
وأما من لا يعتبر هذا فإنه لم تدفع ذلك إليه يد فيلزمه أن يرد إليها، لأن على اليد ما أخذت حتى تؤديه. مع كونه محكما في الشرع في هذه المسألة بأن يسمع الصفة والوكاء، والوعاء. فإذا تبين له صدق المدعي دفع ذلك إليه. بخلاف ما سواه من الحقوق التي لم يحكمه الشرع فيها.
وها هنا قسم ثالث: وهو أن يأمر رجل رجلا بأن يأتيه بمال له عند رجل، فيزعم الرسول أنه قد أتى به للمرسل، ويكذبه المرسل. فهذا فيه قولان: أكثر أهل المذهب على أن الرسول مصدق في إبراء نفسه، ولكن الدافع إليه لا يصدق لكونه دفع هذا المال لغير من دفعه إليه، فعليه الإشهاد على ما حكيناه من المذهب المشهور.
وذهب مطرف أنه لا يصدق إذا ناكره المرسل بعد أيام يسيرة، ويصدق بعد الشهر ونحوه مع يمينه. وبعد الزمن الطويل يصدق بغير يمين لكونه عنده مع الطول لا يمكن في العادة أن يؤخر المرسل ما عنده.
ولو مات الرسول بحدثان الاقتضاء لطلبت تركته. وبعد مدة هو فيها
مصدق لو كان حيا، لم تطالب تركته.
وهذا الخلاف الذي وقع ها هنا لأجل أن الرسول لما كان قبضه لهذا نيابة عن المرسل صار كأن المرسل هو الذي دفعه إليه فادعى بعد ذلك رده إليه، فيجب أن يصدق فيه في القول الآخر أنه دفع المال إلى غير اليد التي دفعت للقابض للمال وصيا أو وكيلا مفوضا إليه، برىء الدافع بتصديقه له.
وإن كان وكيلا مخصوصا فإن الدافع للمال لا يبرأ بتصديقه على ما ذكره في الموازية واعتل ابن المواز: بأن الرسول الدافع يلزمه اليمين ولا تنفعه شهادته، للدافع إذ لو قبلت شهادته لم يحلف. وهكذا أشار في المدونة إلى أنه لا يبرأ الدافع بتصديق الرسول. وبعض الأشياخ يشير إلى أن في هذا قولين مشهورين.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
إذا وكل رجل رجلا على شراء سلعة فاشتراها له وضاع الثمن في يد الوكيل. فهل على الموكل أن يحلفه أم لا؟
فيه ثلاثة أقوال: ذكر في المدونة: أنه إن سلم الثمن إليه يعقد (1) الشراء عليه، فإن الموكل لا يلزمه غرمه ثانية إذا ضاع، ويلزم ذلك الوكيل، وتبقى السلعة له، إلا أن يختار الموكل أخذها وغرامة ثمنها فيمكن من ذلك. وإن كان الموكل لم يدفع الثمن للوكيل إلا بعد أن عقد الوكيل الشراء فضاع الثمن في يد الوكيل فإن على الموكل غرامته ثانية. ولو ضاع ثانية لغرمه ثالثة حتى يصل إلى البائع.
ولو ضاعت السلعة في يد الوكيل مع ضياع الثمن لكان الحكم ما ذكرناه.
وذكر في كتاب القراض عن بعض المدنيين أن الموكل لا يلزمه الغرم في الوجهين جميعا.
وذهب المغيرة إلى أن الموكل يلزمه الغرم في الوجهين جميعا.
فأما المغيرة فإنه قدر أن الثمن وإن سلمه الموكل للوكيل قبل عقد الشراء فإن ذلك لا يعينه، ولا يخرج العقد ذلك عن كون الثمن في ذمة الموكل. لا سيما إذا قلنا بأن الدنانير والدراهم لا تتعين، وكان الثمن دنانير أو دراهم. وقدر بعض المدنيين أنه وإن كان لم يدفع الموكل الثمن للوكيل إلا بعد عقد الشراء فإنه يتعين بالدفع بعد العقد، ويصير كما لو عقد البائع عليه، وكأن الموكل إنما وكله على أن يدفع إليه الثمن مرة واحدة.