لكن اختلف ابن أبي زمنين ويحيى بن عمر في هذا الجنس الذي يباع فيه قليله بالنقد، لو اشترى منه الكثير هل يصدق المشتري في دفع الثمن، كما صدق في القليل أم لا؟ فذهب ابن أبي زمنين إلى تصديقه. وذهب يبيح ابن عمر إلى أنه لا يصدق.
وهذا منهما اختلاف في شهادة بعادة فلو اتضحت العادة، بأن الكثير من الخبز والزيت والبقل لا يباع إلا بالنقد، كما يباع القليل من ذلك، لما اختلفا فيه.
وأما ما سوى هذا مما يباع على غير النقد، فإن القول قول البائع أنه لم يقبض الثمن، لما قدمناه من كون ذمة المشتري عامرة بالثمن، ولا بينة له على البراءة، ولا عادة تشهد وتصدقه، فوجب مطالبته بإثبات ما ادعاه من البراءة من الثمن المتقرر في ذمته، وهذا ما لم يطل الزمن بعد العقد طولا تشهد العادة بكذب البائع في أنه لم يقبض الثمن، فيصدق حينئذ المشتري لشهادة العادة له.
والتحقيق أن هذا الطول غير محدود ولا مقدر إلا بحسب ما تجري به العادة في سائر الجهات، ومن اختلاف أجناس التجارات. وإن كان ابن حبيب ذكر عن مالك أن الحيوان والعقار بخلاف البز وغيره مما يباع على التقاضي.
فرأى أن العام والعامين في الحيوان والرقيق طول يشهد بصدق المشتري في دفع الثمن. وذكر عن ابن القاسم أنه ساوى بين العقار والحيوان والبز، ورأى أن البائع مصدق في أنه لم يقبض الثمن وإن طال الزمان، إلا أن يطول طولا كثيرا لا يجوز البيع إليه، فإنه لا يصدق البائع حينئذ. وهذا كله مداره على ما قدمناه من اعتبار العوائد فلا معنى للرجوع إلى هذه الروايات فيه إذا كانت العادة في بعض البلاد بخلاف مقتضى هذه الروايات لأنها مبنية على شهادة بعادة وهذا واضح.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال: لها (1) اختلاف المتبايعين في الأحكام بأن يدعي أحد المتبايعين صحة العقد، ويدير الآخر فساده. فإنه ذكر في المدونة أن القول قول مدعي الصحة على الإطلاق. ولم يفرق بين كون هذا الاختلاف يتضمن اختلافا في الثمن أو لا يتضمنه، بل ذكر، في اختلافهما في السلم هل ضربا له أجلا أم لا؟ وهل تأخر قبض رأس المال أو تقدم بشرط أم لا؟ أن القول قول مدعي الصحة.
وحمل الأشياخ ما وقع في المدونة على أن هذا الاختلاف لم يتضمن اختلافا في الثمن، وإنما وقع بينهما اختلاف في صحة العقد أو فساده خاصة، مثل أن يقول أحدهما: عقدنا البيع يوم الجمعة والإمام يخطب، أو ما في معنى ذلك مما لا ينصرف الاختلاف فيه إلى الثمن.
ونوقضوا في هذا بأنه ذكر في المدونة أن القول قول مدعي الصحة وإن اختلفا: هل تأخر رأس مال السلم بشرط أو لا؛ وهذا يتضمن كونهما مختلفين في الثمن لأن اشتراط تأخير رأس المال يخالف اشتراط انتقاده في مقدار الثمن.
وأجاب بعضهم عن هذا بأن هذه المسألة تحمل على أن اختلافهما في هذا وقع بعد أن فاتت السلعة، ونحن إنما قلنا أن القول قول مدعي الصحة لأنه ادعى
الأشبه؛ لأن الغالب في بياعات المسلمين الصحة، ومن ادعى الأشبه من المتبايعين صدق مع فوت السلعة من غير خلاف، كما قدمناه قبل هذا في موضعه.
وإنما اختلف المذهب في تصديق مدعي الأشبه مع قيام السلعة، فالأكثر على أنه لا يصدق، بل يتحالفان ويتفاسخان. وقال عبد الملك بن الماجشون: بل يصدق من ادعى الأشبه. واختلف هذان (1) هل اشترطا في عقد السلم تأخير رأس المال أو لم يشترطاه، وإنما وقع عند حلول الأجل، وحلول الأجل في المسلم جرى مجرى الفوت في السلع المعينة، كما قدمناه. وأما لو كان اختلافهما في هذا في فور عقد السلم لتحالفا وتفاسخا، على حسب ما قدمناه من إيجاب التحالف والتفاسخ مع قيام السلعة عند من لا يراعي الأشبه. وأما من يراعيه فسواء عنده قيام السلعة وفوتها.
وهذا الذي ذكروه هو مقتضى أصل المذهب في الاختلاف في الثمن تصريحا أو ضمنا، على حسب ما قدمناه في موضعه، ونبهنا عليه من كون مراعاة دعوى الأشبه تجب مع فوت السلعة من غير خلاف. واختلف فيها مع قيام السلعة.