فمن خص الآباء بالجواز رأى أن التهمة لا تقع فيهم لكونهم طبعا يؤثرون أولادهم على أنفسهم في المنافع، ويقونهم المضار، ويتقونها عنهم بأنفسهم.
بخلاف الوصي والوكيل اللذين هما أجانب ممن له المال، فيتهمان في إيثار أنفسهما.
ومن ألحق الوصي بالأب رأى أن الشرع يجبر رب المال على تسليم التصرف للأب والوصي، وليس لرب المال أن ينزعهما. فلم يكن له اعتراض في شرائهما لأنفسها.
وأما من منع الجميع فقدر أن الوصي والوكيل إنما تصرفا بإذن من دفع المال إليهما، وهما خارجان من عموم هذا الإذن. والأب، وإن أذن له الشرع، فإن التهمة قد تتطرق إليه، فمنع لأجل ذلك.
وأما من أجاز للجميع فقدر أن الإذن المقصود به تحصيل الثمن المعتاد، فإذا حصل المراد فلا وجه للمنع. ويقدح الآخرون في هذا أن شراءهما وإن كان بالثمن المعتاد، فقد يتفق من يزيد عليهما لغرض له، فيتصامون عنه ولا يستقصون في الاشتهار (1) للسلعة إيثارا لأنفسهم.
فإذا تقرر هذا، فإن هذا الفعل إذا وقع من الوكيل فإن العقد يفسخ. وإن فاتت العين بتلفها لزمت القيمة بدلا من العين. وإذا كانت لم تتغير إلا في بدنها
أو سوقها ففي المذهب قولان، هل ذلك فوت يوجب القيمة، كما يكون ذلك فوتا في البيع الفاسد، أو لا يكون فوتا كالاستحقاق للسلع، لكون الوكيل معزولا عن الشراء لنفسه فيملك السلعة بغير إذن. وقد وقع في كتاب القراض من المدونة في المبضع معه (1).
وذكر ابن حبيب أن الوكيل إذا اشترى لنفسه ثم باع من غيره بربح، أن الربح لرب المال، كما يكون له ثمن السلعة إذا استحقها (2).
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
ذكر في المدونة، فيمن وكل على بيع سلعة فباعها ولم يشهد على المشتري فجحده المشتري. أنه ضامن, لأنه أتلف الثمن إذا لم يشهد. وقد قال مالك فيمن أبضع معه بضاعة ليوصلها إلى رجل، فذكر أنه أوصلها وأنكر المبعوث إليه أن يكون وصلت إليه؛ إن الوكيل ضامن إن لم يشهد، وينبغي أن يلتفت في هذا إلى ما قلناه مرارا: من كون الأملاك لا يتصرف فيها إلا على حسب ما يأذن فيه ملاكها، فإن نص الموكل على أنه يأذن له في البيع بشرط أن يشهد فتعدى وترك الإشهاد فإنه يضمن. وإن نص على أنه لا إشهاد عليه في العقد فإنه لا يضمن. وإن لم ينص على أحد الأمرين فمقتضى الإطلاق في تعميم اللفظ أنه لا يكون متعديا في ترك الإشهاد. وهو مذهب عبد الملك في المسألة التي استشهد بها في المدونة من قول مالك في الرسول ببضاعة، فإنه يرى الإشهاد على الرسول في تسليم البضاعة، لكون لفظ الوكالة لا تقتضيه.
ومذهب ابن القاسم أن الرسول يكون متعديا في ترك الإشهاد لقوله تعالى في خطاب الاوصياء ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا﴾ (3).
وينبغي أيضا إذا علمت حكم النص على الأمر بالإشهاد أو تركه فإنه
يلتفت في هذا إلى العرف والعادة التي يعلم منها قصد الموكل وما التزمه الوكيل في إطلاق هذا اللفظ. وقد قال بعض الأشياخ: إن العادة في عقود البيوعات ترك الإشهاد، فلا يضمن الوكيل ها هنا بتركا الإشهاد على عقد البيع، ولا مطالبة عليه إذا كانت السلعة الموكل عليها باقية في يديه، لكنه إن سلمها من غير إشهاد كان كالمتلف فيجب أن يضمن.
واختلفوا في ضمانه فقال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد: يضمن قيمة السلعة.
وظاهر ما حكي عن ابن شبلون: أنه يضمن الثمن. وهو مقتضى ما وقع في المدونة. لأنه إنما ذكر في التعليل: إن ترك الإشهاد أتلف الثمن. فلولا أن مذهبه وجوب ضمان الثمن لما تعرض إليه في التعليل.
وقال غيرهما يضمن الأقل من الثمن أو القيمة. فإن كانت القيمة أقل ضمنها, لكون التلف في التعدي إنما وقع في تسليم السلعة من غير إشهاد، لا في العقد بغير إشهاد. فإن كان الثمن أقل لم يضمن أكثر منه لكونه قد لزم الموكل أخذه، وإن قصر عن القيمة تقصيرا يتغابن الناس في مثله، فيقول الوكيل: لو أقر به المشتري لم يكن لك سواه، فأنا أقوم به عنه وإن جحده.