تكون تساوي المائة دينار التي رسم له. لإمكان أن يكون للموكل غرض في أن لا يتسرى أو يستخدم إلا من كان ثمنه ما رسمه للوكيل.
ويحتج لمذهب أصبغ بحديث حكيم بن حزام: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أمره أن يشتري له شاة بدينار، فاشترى له شاتين بالدينار، وباع واحدة منهما بدينار، وأتاه بشاة ودينار، فدعا له بالبركة. فكان لو اشترى ترابا لربح فيه" (1). فلولا أن الشاة المبيعة لازمة له، - صلى الله عليه وسلم -، وصارت على ملكه لم يأخذ ثمنها, ,ولا أقره على ذلك. وقد قيل في هذا الحديث: إن الشاة المبيعة لو لم تكن على ملك حكيم بن حزام لما باعها ولا أقره، عليه السلام، على جواز بيعها. وإنما باعها على ملكه، ولكن للنبي عليه السلام الخيار في قبولها لما كان اشتراها له.
ولو أمر رجل رجلا أن يشتري جارية أو ثوبا على صفة بثمن محدود، فاشترى له نصفها, لم يلزم ذلك الموكل، لما في المشاركة من الضرر.
ولو أمره أن يشتري له عشرة أثواب، فاشتراها له صفقة واحدة، أو ثوبا بعد ثوب، للزم ذلك الموكل بحكم مقتضى إطلاق الوكالة وعمومها. إلا أن يكون للموكل غرض في الأفراد والجمع، أو يكون في ذلك عرف فيقصر الوكيل عليه، ويكون متعديا في مخالفته، على علم بالغرض والعرف.
ولو شرط الموكل أن يشتري له ذلك صفقة واحدة، فاشترى ذلك من رجلين شريكين في العشرة الأثواب صفقة واحدة فإن أبا حامد الإسفرايني خرج على هذا قولين: هل العقد الواحد من رجلين كصفقتين أو كالصفقة الواحدة؟ فإذا قلنا: هو كصفقتين، وجب أن يكون الوكيل متعديا.
ولو كان اشترى هذه الثياب من رجلين، فكان لكل واحد منهما ثياب معلومة متميزة، فإن هذا على القولين في جواز شراء سلعتين من رجلين، فإن قلنا بجوازه التفت في ذلك إلى ما قدمناه من كون العقد من رجلين صفقة واحدة أو صفقتين.
وقد تقدم كلامنا نحن على جمع السلعتين لرجلين، وعلى كون هذا العقد
الذي ذكرناه يقدر صفقة أو صفقتين، في ما سلف من هذا الكتاب.
ولو أمر رجل رجلا أن يبيع له عبده بمائة دينار في سوق سماه له، فباعه بمائة دينار في سوق آخر، فإن أبا حامد ذكر أن الوكيل لا يكون متعديا, لأن الغرض تحصيل الثمن المحدود لا عين السوق المذكور. بخلاف أن يأمره أن يبيعه من رجل سماه بمائة دينار، فباعه من رجل آخر بمائة دينار, لأن الموكل قد يكون غرضه بذكر فلان للإحسان إليه بتمليك هذا العبد، أو الإحسان إلى العبد بكونه يملكه هذا دون سواه.
وهذا الذي قاله في تبديل الأشخاص واضح. وأما تبديل الأسواق ففيه إشكال، هل يتصور للموكل غرض صحيح في تعيين السوق؟ إمالك ون الزيادة ترجى فيه دون غيره، أو لكون البيع فيه أقل شغبا على البائع وأنفع له. فإذا تصور الغرض لم يكن فرق بين تبديل الأشخاص أو الأسواق. والعقلاء يحمل كلامهم على الأغراض الشرعية. وأصل الشرع ألا يتصرف في ملكه أحد إلا بحسب ما أذن فيه. لكن لو علم أن ذلك السوق لغو مطرح في خطاب الموكل لكان ما ذكره صحيحا.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
اختلف الناس في شراء من أذن له في التصرف في مال غيره شرعا، كالأب والوصي.
فمنهم من ذهب إلى جواز ذلك لهؤلاء. يحكى هذا عن الأوزاعي.
والقاضي أبي (1) محمد عبد الوهاب هذا مقتضى مذهبه, لأنه قد أجاز ذلك للوكيل، فأحرى أن يجيزه الأب والوصي. وذكر بعض أصحاب مسائل الخلاف هذا عن مالك.
ومنهم من ذهب إلى منع جميع هؤلاء من ذلك.
وأجازه الشافعي للأب خاصة دون الوصي والوكيل. والجد أبو الأب
كالأب عنده في هذا, لأنه من الآباء.
وأجازه أبو حنيفة للأب والوصي دون الوكيل. وجماعة ممن ينقل مسائل الخلاف يحكي هذا عن مالك.
والنكتة المعتبرة في هذا تطرق التهمة، والنظر في لفظ الإذن في التصرف هل يقتضي دخول المأذون له في التصرف في الإذن؟