تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أشار بعض المتأخرين إلى أنه لا فرق بين الوكالة على البيع أو على الشراء في أن الموكل على البيع ينبغي أن يسامح بأن يبيع بنقص خف يسير عما حد له، وتردد في هذا.

والتحقيق يقتضي ألا فرق بين الوكالة على البيع أو على الشراء في كون الوكيل لا يبيع أو يشتري إلا بما حد له، من غير زيادة في الشراء، وإن قلت، أو نقص في البيع، وإن قل.

هكذا مذهب الشافعية فيمن أمر أن يشتري بثمن حد له فإنه لا يمكن من الزيادة عليه، وإن قلت الزيادة.

وهذا الذي قالوه من المساواة بين الأمرين هو مقتضى التحقيق. فإن التفت إلى فرق بينهما فلا طريق له بتحقيق إلا التمسك بالعرف والعادة، بأن

يكون العرف في البيع منع الوكيل من النقص مما حد له، وإباحة ذلك للمشتري إذا قلت الزيادة. هذا حكم ما حد من الأثمان للوكيل.

وأما ما حد في المثمونات، مثل أن يوكل رجل رجلا على أن يشتري له جارية على صفة سماها له، فاشترى له جاريتين على تلك الصفة بالثمن الذي حد له في الجارية الواحدة، فإن ذلك لا يخلو من وجهين. أحدهما: أن يشتري واحدة بعد واحدة، والثاني أن يشتريهما صفقة واحدة.

فإن اشتراهما واحدة بعد واحدة، فالأولى للموكل، والثانية للوكيل إذا لم يختر الموكل أخذها وقد اشتراها له. ويرتجع من الوكيل الثمن الذي دفعه فيها، إذا كان قد دفع إليه جميع الثمن الذي حد له أن يشتري به.

وإن اشتراهما في صفقة واحدة، ولم يقدر أن يشتري واحدة مفردة، فإن ذلك لازم للموكل لأنه زاده خيرا بأن دفع المائة دينار، التي أمره أن يشتري بها جارية، في جاريتين على صفة ما أمره به الموكل. وتكون له الزيادة ها هنا في المثمون كالنقص من الثمن المحدود, لأن الغرض ها هنا، بالتحديد ألا يتعداه الوكيل بما هو أضر بالموكل. وأما تعديه بما هو نفع له فلا ينسب فيه إلى الوكيل تعديا لكون الغرض يقتضيه، فخرج عن حكم اللفظ بمقتضى الغرض والقصد.

وقد أشار بعض أشياخي إلى أن الأمر إذا كان كذلك فإنه لا يختلف المذهب في لزوم ذلك للموكل، وإنما الخلاف الذي وقع في المذهب محمول على من قدر أن يشتري واحدة فعدل عن ذلك إلى أن اشترى اثنتين. والخلاف في هذا ينحصر إلى القولين. أحدهما ما ذهب إليه أصبغ من أن الجاريتين يلزمان الموكل. ولم يقيد هذا الجواب يكون الوكيل قادرا على الإفراد أو غير قادر.

وإنما قيده ابن المواز، وذكرنا أن تقييده أشار بعفض الأشياخ إلى أنه لا يخالف فيه.

والقول الثاني إثبات التخيير للموكل. ولكن في ماذا يكون له التخيير؟ فيه قولان:

قال ابن القاسم: يلزم الموكل واحدة، ويخير في الثانية بين أن يقبلها أو يردها ويأخذ ما ينوبها من الثمن.

وقال ابن الماجشون في المبسوط: إنما يخير بين قبول الاثنين بجميع الثمن أو يردهما (1) وأخذ جميع الثمن.

فكأن من ألزم الموكل ذلك على الإطلاق رأى أن الوكيل زاد الموكل خيرا، فنظر له فيما هو أنفع له، فوجب أن يلزمه. وبهذا علل أصبغ.

ومن أثبت التخيير رأى أن الموكل قد يكون له غرض في الإفراد، إما لعجزه عن القيام بجاريتين أو لغير ذلك من الأغراض. فإذا تصور له غرض صحيح في هذا التحديد لم يلزمه مخالفة وكيله له في هذا الغرض.

ولكن اختلف أصحاب هذه الطريقة. فرأى ابن القاسم أن هذا في معنى الصفقتين.

وقد قدمنا أن الوكيل إذا اشتراهما في صفقتين فإن الأولى هي اللازمة للموكل. وكذلك يجب أن يكون إذا اشتراهما في عقد واحد.

ومن أثبت له التخيير في قبول الجاريتين أو ردهما التفت إلى جانب الوكيل، ورأى أن تبعيض التي عقد يلحقه منه ضرر، فلم يمكن الموكل من إضراره وقد قصد خيرا.

وهكذا للشافعي في هذه المسألة قولان:

أحدهما: أن الجاريتين يلزمان الموكل، كما قاله أصبغ.

والثاني: أنه لا يلزم الموكل إلا واحدة، وهو في الأخرى بالخيار، كما قاله ابن القاسم. لكنه يشترط أن تكون الواحدة اللازمة للموكل تساوي الثمن الذي حد له فيها، مثل أن يأمره أن يشتري جارية على صفة بمائة، فيشتريها بخمسين، وهي على الصفة المرسومة للوكيل. فإنه لا يلزم الموكل ذلك، إلا أن

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٦٥