وهكذا ذكر عيسى في المستخرجة أن الوكيل يصدق في إقراره بالفساد.
ولكنه أطلق القول في ذلك، ولم يفرق بين كون الوكيل أقر بهذا قبل أن يدفع السلعة إلى موكله أو بعد أن دفعها. وظاهر هذا الإطلاق أنه يقبل قول الوكيل في الحالين، كما يقتضيه ظاهر المدونة فيما حكيناه عنها. وإن كان قد قال بعض المتأخرين بأن الوكيل إنما صدقه، في المدونة، في كون هذه الدراهم الزيوف دراهم الآمر، لأجل كون الطعام المسلم فيه لم يقبض، وإذا كان لم يقبض فقد بقي من أفعال الوكيل في ما وكل عليه وجه، فصارت الوكالة لم تنقطع علاقتها، فصدق الوكيل فيما يقول، حتى إذا قبض الطعام انقطعت الوكالة وعلاقتها،
فيجب ألا يصدق الوكيل.
ومن المتأخرين من أنكر هذا التأويل، ورأى أن ظاهر المدونة تصديق الوكيل ولو قبض الطعام.
وهكذا، أيضا، يتأول بعض الأشياخ مسألة الكتاب على أن الوكيل لم يعلم المسلم إليه بأنه وكيل، أو أعلمه بذلك إعلاما لا يبرئه من المطالبة بالثمن.
فإذا كان من حق البائع مطالبة الوكيل بالثمن في ذمته صار الوكيل بدفعه الثمن للبائع غير بريء الذمة، والثمن باق عليه، وهو مطلوب به من جهة موكله. فإذا تصورت المطالبة عليه بالثمن أشعر ذلك بأن وكالته لم تنقطع، فصدق على الآمر الذي وكله، حتى لو عقد هذا السلم على وجه لا تكون عليه مطالبة بالثمن في ذمته، مثل أن يقول المسلم إليه: هذه الدراهم لفلان، أمرني أن ندفعها إليك في طعام. فإنه يجب ها هنا ألا يصدق الوكيل على الموكل، لكونه غير مطالب بالبدل ولا الثمن في ذمته. فوكالته انقطعت بنفس دفع هذه الدراهم الزيوف، فلا يصدق على موكله.
وهذا كله تخريج على قاعدة أشرنا إليها. وذلك أن الوكيل إذا فرغ مما وكل عليه وانعزل صار إقراره على موكله كإقرار رجل أجنبي لا علاقة بينه وبين هذا الموكل. وإذا كانت وكالته لم تنقض وائتمنه على ما يفعل ويعقد (ما يفعله) (1)، وعقده يقع على وجوه، فقد ائتمنه على الوجه الذي يوقعه منها فوجب تصديقه.
فمن تأول مسألة المدونة على أن الطعام لم يقبض إنما أراد بهذا التأويل إثبات علاقة بقيت من الوكالة توجب تصديق الوكيل.
ومن اعتبر ما قلناه من كون الثمن يتعلق بذمة الوكيل إنما اعتبر أيضا، بقاء علاقة من الوكالة توجب تصديقه، مع كون الموكل ائتمنه على ما يفعل فصار بذلك كالمصدق له فيما يذكره من الوجه الذي أوقع الفعل عليه.
وقد يهجس في الخاطر استنكار تفرقة ابن الماجشون ومطرف من كون الوكيل أقر بالفساد بعد أن دفع السلعة أو قبل أن يدفعها لكونه إذا لم يدفع بقيت من الوكالة علاقة وهي الدفع، فوجب تصديقه. بخلاف انقطاع هذه العلاقة بدفع السلعة. مع كون سكوته، أيضا، عن ذكر هذا حين دفعه السلعة كالمناقض لما يقتضيه فعله من كون الدفع لها كالاعتراف بصحة ملك الموكل على شرائها. وأيضا، فإنه قبل أن يدفعها لو قال: إني اشتريت لنفسي وانعزلت عن الوكالة قبل شرائها، فإنه يصدق، على الخلاف الذي ذكرناه في أول هذا الكتاب. فإذا كان قبل دفعها مقبول القول في صرف الموكل عن ملكها، فلا يتهم في أن تصرفه بوجه آخر، وهو اعترافه بأن العقد وقع فاسدا.
هذا حكم ما يقبل فيه قول الوكيل. فإذا قلنا بقبول قوله فهل يصدق بيمين على صحة ما يقول أم بغير يمين؟.
ذكر في المدونة، في المسألة التي تكلمنا عليها ها هنا، أن الوكيل إذا اعترف بأن الدراهم دراهم من وكله فإنه يصدق، ولا يلتفت إلى إنكار الموكل، لأن الوكيل أمينه. قال: وإن لم يعرفها الوكيل، ولكنه قبلها، فإنه يلزمه بدلها.
وله أن يحلف الموكل على أنه لا يعلم أنها دراهمه، وأنه لم يعطه إلا جيادا في علمه.
واعترض بعض الأشياخ بأن قال: تحليف الآمر بأنه لما لزم الوكيل بدل هذه الدراهم، ولم يبق بينه وبين الآمر محاكمة لوصوله إلى حقه من مال الوكيل. فإذا ألزمنا بعد هذا المأمور أن يحلف للآمر، كان من حجة الآمر في إسقاط اليمين عنه أن يقول: لو حضرت للمحاكمة بيني وبين قابض الدراهم لكان القول قولي في أني لا أعلمها من دراهمي، ولم أعطه إلا جيادا في علمي، ومن حقي أن ننكل عن اليمين، ونردها على قابض الدراهم. فبغرامتك لقابض الدراهم الزيوف بدلها قد حلت بيني وبين رد هذه اليمين، وأتلفت هذا الحق علي، ولا يتوجه لك علي يمين, لأن الذي توجه علي من اليمين في مثل هذا