وهذا الذي قاله أبو حامد، واستشهد به في مسألة الرجعة، لا نوافقه عليه. بل مذهبنا أن المطلق في الحيض يجبر على الرجعة, لأن قول النبي عليه السلام لأبيه: مره فليراجعها، الظاهر منه أنه أمره بتبليغ هذا الحكم وإخبار ولده به، وهكذا إذا قال: أقر عني، فالظاهر منه أن ما نطق به الوكيل هو كالنطق من الموكل، لقوله: أقر عني، فأضاف قول الموكل إلى نفسه. وقد وقع في العتببة لأصبغ فيمن وكله رجل على خصام رجل في شيء، فإن إقرار الوكيل لا يلزم الموكل. قالوا: ولو أشهد له بأنه جعله في الإقرار عنه كنفسه فإن إقرار الوكيل يلزمه. وظاهر هذا أنه يقول (2) كذلك في اللفظ الذي حكيناه في قوله: أقر عني. وإن كان هذا اللفظ الذي ذكره أصبغ قيده بقوله: جعله في الإقرار كنفسه.
فإذا كان المراد بقوله: أقر عني، هذا المعنى لم يفترق اللفظان، ولا ينبغي أن يتصور الخلاف. وربما كانت قرائن وألفاظ تحل محل النطق فلا يكون للخلاف فيها وجه. وإن اقتضت قرائن أنه لم يرد بالخطاب أن يجعل قوله كقوله، بل أراد وجها آخر يمنع من صرف القول إليه، ولا يتضمن كونه معترفا، لم يكن هذا القول الواقع على هذه الصفة بالذي يوجب على الموكل ما أقر به الوكيل.
ولما أشار أبو حامد إلى الاختلاف عندهم في هذا القول إذا قال له: أقر عني لفلان بألف درهم، فإنه أجراه، أيضا، على الوجهين المتقدمين، هل يسقط هذا الإقرار عن الموكل أو يلزمه، ويرجع في تقرير هذا المال إليه.
قال: ولو قال له: أقر عني، ولم ينص على عدد ما يقر به عنه، بل أورد هذا اللفظ مطلقا، فإنه على وجهين:
أحدهما: أن هذا الإقرار لا يلزم الموكل، لإمكان أن يكون أراد بقوله:
أقر عني، بأمر غير الحقوق المالية، إما بإخبار عن حال من الأحوال، أو غير ذلك مما في معناه.
والوجه الآخر: أن هذا الإقرار يلزم الموكل، ويرجع في تعبير ما لم يقر به الوكيل عنه إلى الموكل.
وهذا، أيضا، لا يتصور فيه خلاف، إذا قال: أقر عني، في خصام في حقوق ومراجعة ومحاورة في ذكر مال والطلب به، حتى يفهم من هذا الإطلاق أن المراد به كالمراد بالمقيد، وهو قوله: أقر عني بمال.
ومحصول الأمر في هذا يرجع إلى ما نبهناك عليه من اعتبار المفاسد بهذه الألفاظ، فهذا الذي يعتمد عليه.
والجواب عن السؤال. الخامس أن يقال:
اختلف المذهب فيمن وكل على بيع سلعة أو شرائها، هل يقبل قول الوكيل، بعد انقضاء العقد، على ما يتعلق بالعقد، مما يوجب فسخه أم لا؟
فذكر في المدونة، فيمن أمر رجلا أن يسلم له في طعام، ففعل، فرد المسلم إليه دراهم زيوفا، فقال: هي مما دفع إلي الوكيل، فصدقه الوكيل في ذلك، وأقر أنها دراهم الآمر، يلزمه بدلها، بإقرار وكيله, لأنه ائتمنه، فهو مصدق عليه في أنها دراهمه، وصار اعترافه بذلك كاعتراف الموكل.
وذكر في الموازية في وكيل وكل على بيع سلعة، فاطلع المشتري على عيب فيها، فشك أهل المعرفة هل حدث هذا العيب عند المشتري أو كان قديما عند الموكل؟ فاعترف الوكيل أنه كان عند الموكل، فإنه لا يصدق على الموكل، ولا يمكن المشتري من الرد بهذا العيب بمجرد قول الوكيل.
وظاهر هذا خلاف ما قال في المدونة.
وقال مطرف وابن الماجشون، فيمن وكل على شراء سلعة، فلما اشتراها زعم أنه شرط في العقد شرطا يفسد البيع: إنه يصدق في ذلك مع يمينه، إن كان لم يدفع السلعة إلى الموكل. وإن نكل، عن هذه اليمين فإنه يغرم للبائع قيمة السلعة التي أفات عليه بنكوله عن هذه اليمين. ومراده غرامة الوكيل المقر بهذا الفساد، لإكمال القيمة إن زادت على الثمن الذي قبضه البائع. قال: وإن كان الوكيل لم يقر بهذا الفساد إلا بعد أن دفع السلعة إلى الموكل له على شرائها، فإن قوله غير مقبول، ويغرم القيمة للبائع، لكونه معترفا أنه أفات على البائع سلعة يجب عليه أن يردها إليه، بدفعها لمن وكله.