تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلي رده، وأنت لم تحقق أنها دراهم (1) لجواز أن يكون قابضها هو الذي أبدلها، فلا أرد عليك اليمين فيما لم تتحققه، ولا أقدر على ردها على قابض الدراهم لكونه قد سقطت المحاكمة بيني وبينه بحصول الدراهم الطيبة من قبلك في يديه.

وأجاب عن هذا بعض الأشياخ بأن هذه اليمين، التي ألزمها في المدونه للامر، قد توجهت عليه من جهة قابض الدراهم، فإذا أبدل الوكيل الدراهم فإنه يقول: أنا قد حللت محل قابض الدراهم في طلبك بهذه اليمين منك، ولا نسقطها عنك، فعلى ما يمنع قابضها من مخاصمتك أنت لأنه اختار مخاصمتي واخترت أنا غرامتها له لأجل محله في طلب هذه اليمين منك، ولا يسقطها عنك كوني شاكا في وجوب الغرامة عليك، كما لا يسقط حق الورثة في اليمين عمن ثبت أن الميت، الذي ورثوه، ذكر أن له عنده حقا سماه، فإن الذي ادعى عليه الميت يحلف للورثة لكونهم يحلون محل من ورثوه. فإن نكل المدعى (2) عن هذه اليمين غرم. ولم يلزم الورثة يمين لكونهم لا يعلمون صدق الميت. فإذا تعلقت اليمين على من ادعى عليه الميت لكون الوارث يحل محل الميت، ولم يمنع من تعلقها كون هذه الدعوى قد فات بها رد اليمين لموت المدعي، فكذلك إذا فات رد اليمين، ها هنا، لغرامة الوكيل لهذه الدراهم.

وقال في المدونة: إن لم يعرفها المأمور ولا قبلها فإن قابضها يستحلفه.

وله أن يستحلف الموكل. وقد وقع اضطراب في من يبدأ باستحلافه ها هنا.

فظاهر المدونة أنه يبدأ باستحلاف المأمور ثم يستحلف الآمر. ورأى بعض الأشياخ المتأخرين أن الأولى بداية الآمر. ورأى بعض أشياخي وغيره من الأشياخ يخير قابض الدراهم في من يبدأ باستحلافه منهما.

وسبب هذا الاختلاف النظر في ترجيح هذين المطلوبين باليمين على صاحبه.

فمن ابتدأ باستحلاف المأمور رأى أنه هو الذي تولى المعاملة والعقد والدفع لهذه الدراهم، وباشر قابضها بذلك، وقابضها يحقق عليه أنه أعطاه زيوفا يجب بدلها, ولا يحقق ذلك على الآمر. فالبداية بالمباشر للمعاملة والدفع الذي يحقق عليه الدعوى أولى ممن لم يباشر ولا يحقق عليه دعوى.

ومن رأى البداية بالآمر رجح جانبه، ها هنا، بأنه صاحب الدراهم، وعوضها، الذي هو السلم هو يستحقه، والوكيل ها هنا يده كيد موكله ودفعه كدفعه، ولا حق له ولا ملك في الثمن ولا في المثمون، فكانت البداية بمن له الثمن وله طلب المثمون، أولى.

ومن ذهب إلى تخيير القابض في البداية بمن شاء منهما، وإذا قضي بتبدية المأمور فإنه إن حلف برىء من البدل، وإن لم يحلف ورد اليمين على قابض الدراهم، فحلف قابضها، أبدلها له، ثم ينظر في تحليفه هو الآمر، فقد قلنا: إن بعض الأشياخ عارض ما في المدونة من استحلاف المأمور للامر بأنه قد منعه من رد اليمين وأفات ذلك عليه، فلم يكن له طلب باليمين. وها هنا لم يفت عليه رد اليمين، بل استحلف القابض للدراهم ثم لما غرمها عاد لطلب الأول باستحلافه على أمر لا يحققه عليه, لأنه يجوز أن يكون قابض الدراهم هو الذي أبدلها، وأنه ظلم في طلب اليمين عليها. فيجري هذا مجرى من دفع إلى رجل دراهم من دين له عليه (كونه بصدقة أو لغير ذلك مما يوجب ردها) (1) فإنه لا يحقق الدعوى على دافعها إليه الذي كانت دينا عليه، لكونه يجوز أن يكون من قبضها منه هو، أيضا، أبدلها، فيجري ذلك مجرى أيمان التهم. بخلاف أن يكون قابضها ممن هو عليه دين لم يخرج من يديه فإنه يستحلف دافعها من رد اليمين عليه.

ولو أن قابض الدراهم، في المسألة التي ذكرنا عن المدونة، طلب المأمور باليمين، وبدأ به، فنكل عن اليمين وردها على قابض الدراهم فلم يحلف، فإن

حقه قد سقط في البدل، ولا يكون له ها هنا أن يستحلف الآمر, لأن الآمر يقول: أنت إذا طلبت مني اليمين على ما نكل عنه المأمور فنكلت عنها فنكولك السابق منك للمأمور امتنع (1) تعلقها بي.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٥٩