تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكمن قال: امرأته طالق يوم قدوم زيد من سفره. فقدم زيد ليلا، فإنه يلزمه الطلاق. و (2) لأن المراد بقوله: يوم، الوقت، وانطلاق هذه اللفظة على الوقت مجاز، والوقت هو الليل والنهار. فلهذا لزمه الطلاق.

وهذا الذي مثل به أصحاب أبي حنيفة مسلم إذا كان القصد باللفظ ما ذكره واعتقده في أنه مراد القائلين بهذا اللفظ. وقد ذكر في كتاب الصوم من المدونة في من قال: لله علي أن أصوم يوم يقدم فلان، فقدم فلان ليلا، فإنه يصوم صبيحة تلك الليلة. وهذا قد يبنى، أيضا، على أن المراد بذكر اليوم، ها هنا، الوقت، ليلا كان أو نهارا. وهو من الأسلوب الذي أجراه ها هنا بعض أصحاب أبي حنيفة.

وقد اختلفوا أيضا في قول الوكيل: إن الموكل كذب في دعواه. هل يقبل هذا على الموكل أم لا؟ فمنهم من قال: يقبل، لما قلناه في لزوم الإقرار.

ومنهم من قال: لا يقبل، وفرق بين قول الوكيل: إن موكلي قبض الحق وأبرأ منه، وبين قوله: كذب في دعواه أصل الحق. لأن تكذيب المدعي الموكل في دعواه يرفع أصل الوكالة، وإذا رفعها رفع ما تضمنته من قول الوكيل. بخلاف إقراره بأن الموكل قد قبض الحق بعد أن قبل الوكالة وأخذ الخصام.

وأما أبو يوسف فقدر أن الموكل أحل الوكيل محل نفسه، وجعل لسانه كلسانه وقوله كقوله، فلما كان الموكل يؤخذ بإقراره، سواء كان بين يدي الحاكم أو غائبا عنه، فكذلك وكيله.

وهذا يجاب عنه بأن الموكل إنما لزمه إقراره في الحالين بحكم حريته واستحقاقه في الشرع التصرف في ماله، ومؤاخذة الشرع له بأقواله فيه. بخلاف الوكيل الذي إنما يستحق النظر في هذا المال بإذن المالك لا بأصل الشرع، والمالك لم يأذن له فيه، والشرع لا تتعدى حدوده ومراسمه. والأب والوصي وإن جعل لهما الشرع في مال اليتيم، فإنه إنما جعل لهما ذلك في ما يعود بصلاحه، لا في ما يعود بضرره، فلم يجز إقرارهما على من في ولائهما (1) بحق عليه لما توليا المعاملة فيه اتباعا لحدود الشرع في ما جعله إليهما.

وقد نوقض أبو حنيفة في المدعى عليه في ما يجب عليه فيه قصاص أو حد، فوكل على المخاصمة عنه، فإن إقرار الوكيل لا يلزمه.

وانفصل عن هذا بأن الحدود تدرأ بالشبهات، والوكالة على الخصام إنما اندرج تحتها الوكالة على الإقرار بما ذكرناه من حكم التعلق تضمن هذا الخطاب (2) الذي هو مجاز، وهذه شبهة يدرأ الحد بها.

فإذا وضح مأخذ الخلاف في تضمن الوكالة الإقرار، فإن ذلك إنما يتصور الخلاف فيه مع الاقتصار على الوكالة على الخصام دون تصريح بالنهي عنه والإذن فيه. فمتى قال الموكل: وكلتك على الخصام، ونهيتك عن الإقرار. فإنه

لا يختلف في أن إقرار الوكيل غير لازم للموكل لنهيه. فإذا أطلق الوكالة على الخصام والاستيفاء والاستحلاف والإقرار، فإنه إذا أقر على موكله فإن الظاهر من مذهب الشافعي أن إقرار الوكيل لازم، لنص الموكل على الإذن فيه للوكيل.

لكن ذكر أبو حامد الإسفرائيني أنه إذا قال للوكيل: أقر علي لفلان بألف درهم.

فإن هذا عندهم على وجهين: أحدهما: لزوم ذلك للموكل لكون هذا القبول الصادر منه كتوليه الإقرار بنفسه.

والوجه الآخر: أنه غير لازم, لأنه قصارى ما فيه أنه أمر الوكيل بأن يقول قولا، ولا يكون أمره له بان يقول قولا من الأمر، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال لعمر، لما طلق ابنه عبد الله زوجته في الحيض: مره فليراجعها (1). فلم تكن الرجعة واجبة، عندنا، على عبد الله بن عمر لما كان الأمر له بذلك من أبيه.

بخلاف أن يقول النبي عليه السلام لأبيه: أخبره أن الله أمره بالرجعة، أو أني أمرته بها، أو يأمره - صلى الله عليه وسلم - شفاها. فكذلك قوله لرجل: أقر عني بألف درهم. فإن هذا لا يعد إقرارا من الآمر، بل لا يتضمن سوى الأمر للوكيل بأن يقول هذا القول، وقول إنسان لا يؤخذ به آخر.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٥٦