تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك لو وكل عبده ثم باعه، فإن للمشتري أن يمنعه من التصرف لبائعه. لكنه لو أذن له فيه لكان في ذلك قولان عند أصحاب الشافعي، لأجل ما

قدمناه من كون وكالة السيد لعبده كأمر له بخدمته، فتنقطع الأوامر بالبيع، كما تنقطع بالعتق، على أحد القولين عندهم.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:

اختلف الناس في حكم إقرار الوكيل على موكله على ثلاثة مذاهب:

فذهب مالك والشافعي وابن أبي ليلى إلى أن إقرار الوكيل على موكله غير لازم للموكل، ولا يقضى به عليه. وبه قال زفر.

وذهب أبو حنيفة إلى أنه يلزم إقراره على موكله إذا كان الإقرار في مجلس الحكومة، ولايلزم إذا كان الإقرار في غير مجلس الحكومة. وبه قال محمد بن الحسن.

وذهب أبو يوسف، في القول الذي رجع إليه، إلى أن إقراره لازم لموكله، سواء أقر في مجلس الحكومة أو في غير مجلسها.

وسبب هذا الاختلاف أن الموكل لا يلزمه أن يتصرف (1) في حقوقه التي يملكها إلا بإذنه. فإن صرح حين الوكالة أنه لم يوكل الوكيل إلا على الخصومة دون الإقرار، ونهاه عن الإقرار، وقصر الوكيل على الخصومة خاصة، لم يكن له استحلاف الخصم، ولا قبض الحق منه، ولا مصالحته عنه. وهذا لا خلاف فيه. وإن وكل، على الخصومة، ولم يتعرض إلى الإقرار عنه، فهذه المسألة التي ذكرنا الثلاثة مذاهب فيها:

فيرى مالك والشافعي أن الوكالة على الخصومة ليست بصريح في التوكيل على الإقرار، ولا مما تضمنته تضمنا لازما. فكان إقرار الوكيل غير لازم، كما لو نص الموكل على نهي الوكيل عن الإقرار عنه.

ويحتجون أيضا بأن الوكيل ليس له أن يسقط الحق لا في مجلس الحكومة ولا في غيره، وله قبض الحق إذا وكل عليه في مجلس الحكومة وفي غيره من الأمكنة. فالإقرار ينبغي أن يكون

غير لازم في الحالين، قياسا على الإبراء، وعكس استيفاء الحق وقبضه الذي يستوي فيه الحالان في تمكين الوكيل من القبض، فكذلك يجب أن يستوي الإقرار في الحالين في كونه غير لازم.

ويرى أبو حنيفة أن الخصومة معنى التوكيل عليها اقتضاء الجواب من الخصم، وجواب الخصم يكون بنعم، ويكون بقوله: لا. فمن وكل على الخصومة فقد وكل على الجواب الذي يطلب منه خصمه. والجواب يكون باللفظين جميعا الإقرار أو الحجود. فوجب أن يكون للوكيل الإقرار والتصديق كما كان له الحجود والتكذيب.

وأجيب عن هذا بأن الخصوم (1) معناه المدافعة والمعاندة، والإقرار مساعدة وموافقة، فلا يصح أن يتضمن الشيء ضده. بخلاف الإنكار، فإن الإنكار والجحود هو في معنى المخاصمة التي هي مدافعة. فلهذا مكن الوكيل من الجحود والإنكار، ولم يجب أن يمكن من الإقرار لأن تمكينه من ذلك ضد المخاصمة، والمخاصمة أصل والمجاوبة فرع، وإذا عاد الفرع بمناقضة أصله ومضادته بطل في نفسه دون أصله.

وقد صار بعض حذاق أصحاب أبي حنيفة بلى أن انطلاق المخاصمة بالإقرار والحجود مجاز، وإنما الحقيقة المخاصمة خاصة، وانطلاق اللفظة الواحدة على حقيقتها ومجازها لا يصح، كما لو قال: اقتل أسدا، لكان المكلف مخيرا في سائر الأسود البهيمة، لا في رجل شجاع، يسمى على جهة المجاز أسدا، لكون الحقيقة معناها استعمال اللفظة في ما وضعت في الأصل له، ومعنى المجاز استعمال اللفظة في ما لم يوضع في الأصل له. فهما أمران متناقضان، فلا يصح أن يراد بالكلمة الواحدة معنيان متناقضان.

وهذا يقتضي قصر الوكيل على المخاصمة خاصة دون الإقرار لئلا يقع في ما منعناه من انطلاق اللفظة على حقيقتها ومجازها معا. والإنكار قد تظهر فيه

معنى المخاصمة فتنطلق عليه التسمية انطلاقا هو كالحقيقة بخلاف الإقرار الذي هو ضد الخصومة، لكنه يسمى أيضا خصومة لأن الإقرار يقابل الجحود، والشيء يسمى باسم ما قابله أو ما تعلق به، لكن لما كان الجواب في المخاصمة يكون بالجحود فيمكن الوكيل منه باتفاق، ويكون بالإقرار فيجب أيضا أن يمكن الوكيل منه، أخذا بالعموم والمجاز، لكون هذه اللفظة، التي هي المخاصمة، المراد بها اقتضاء الجواب، وإيقاع هذه اللفظة على الجواب مجاز، فهذا المجاز يجب أن يحمل على عمومه حتى يتضمن التوكيل الجانبين، وهما الجحود والإقرار. وهذا كما لو حلف ألا وضع (1) قدمه في هذه الدار. فدخلها ماشيا أو راكبا، أو على غير ذلك من الأشكال، فإنه يحنث لما كان القصد بهذا اللفظ ألا يدخل الدار. وهذا المقصود بهذا اللفظ إنما ينطلق عليه لفظ اليمين مجازا فيجب تعميم هذا المجاز في سائر أنواع الدخول.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٥٥