تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما ذكرناه من اختلاف المذهب في تصرفه، وما أشرنا إليه من بنائه على الأصل الذي قررناه وهو الخطأ على مال الغير بشبهة إذن تقدم و (1) يقتضي إجراء الخلاف في رد فعله من بياعات وكونه (2) اقتضائه لا يبرأ به الغريم، وكونه هو في نفسه ضامن (3) للمال. وإلى هذا أشار بعض الأشياخ ورأى أن ما وقع في

الروايات، من كون الغريم لا يبرأ بالدفع للوكيل إذا لم يعلم بالعزلة، يقتضي أن صاحب الدين إذا طلب المديان وضمنه، كان للمديان أن يضمن من قبض منه، وهو الوكيل.

وبعض أشياخي يشير إلى حمل مثل هذا، مما وقع في الروايات، على تصور الخلاف في رد أفعاله لا في ضمانه. وتضمين الغريم من غير أن يجعل له مرجع على من قبض منه بتعد. وقد أشار ابن المواز إلى استبعاد ضمان الغريم، حتى قال: ولو كان الغريم علم عزل الوكيل لبرىء بالدفع إليه إذا كان القاضي قد قضى بذلك عليه، لكونه مجبورا على الدفع. وهذا الإجبار من سبب رب المال مع ما فيه من التغرير بالناس والتحيل على إتلاف أموالهم.

وإذا ثبت أن العلم بالعزلة له يمنع من قبض الدين فإن هذا في دين خص بالتوكيل. وأما دين لم يخص بالتوكيل عليه في نفسه لكن مقتضى الشرع دفعه للوكيل كوكيل وكل على بيع سلعة فباعها ثم مات الآمر قبل أن يقبض، فإن ابن القاسم منعه من القبض لكون المال صار لغير من وكله. وأصبغ مكنه من القبض. فإذا قبضه نظر فيه الحاكم.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:

ذكر بعض أصحاب الشافعي أن الوكالة تنفسخ بطرو الجنون على الوكيل أو الموكل. واعتقوا في ذلك بأن الوكالة من العقود الجائزة فوجب أن تنفسخ بالجنون، لكونه طرأ على عقد غير لازم، والمجنون ليس له أن يعقد في حال جنونه، وما قبل جنونه كان العقد فيه غير لازم له. وأيضا فإن معنى قولنا: إن الوكالة من العقود الجائزة كون العقد موقوفا على اختيار العاقد، والمجنون لا اختيار له، بخلاف النائم لكون النوم معنى طبيعي يتكرر، وينتبه النائم إذا نبه، بخلاف المجنون.

وهذا الذي قالوه يتفصل القول فيه عندي:

فأما إن كان الجنون طرأ على الوكيل فلا شك أن جواز التصرف لا ينتقل

إلى غيره، كما لو مات فإن ذلك لا يورث عنه، لكن إذا منعه الجنون من التصرف ثم عاد إليه عقله فأراد أن يبقى على التصرف الذي كان له قبل الجنون فإنه يمكن من ذلك إذا كان الموكل حاضرا ولم يعزله. وإن كان غائبا فلم يعلم بجنونه فيعزله فإن ذلك أيضا لا يمنع من تمكينه من التصرف لكون الموكل أذن له بالتصرف، مع جواز القواطع له عن التصرف، فأشبه الجنون شغلا قطع الوكيل عن التصرف.

وأما إن كان الجنون طرأ على الموكل فإن الأظهر، أيضا، كونه يمكن من التصرف. كوديعة أودعها من جن قبل جنونه لا تنتزع ممن هي في يديه إذا حسن المودع. بخلاف أن يموت الموح فينتزعها الورثة. لكن لوطال زمن الجنون به طولا يفتقر معه إلى نظر السلطان في ماله، وأن يقيم له من يتصرف فيه، فإن هذا قد يدخل فيما ينظر له، على حسب ما بيناه في كتاب بيع الخيار.

وبين صاحبي أبي حنيفة، محمد وأبي يوسف، اختلاف في رقة الوكيل، هل توجب عزلته أم لا؟ والأظهر عندي أنه لا ينعزل بذلك, لأنه إنما يحجر عليه لأجل الردة في مال نفسه لأنه قد يصير للمسلمين، وأما قال غيره فلم يتعلق به حق للمسلمين يوجب الحجر، إلا أن يعلم أن مقتضى العادة أن الموكل لا يرضى بتصرفه في ماله وقد ارتد، فيكون ذلك مما يوجب منعه من التصرف.

وكذلك لو وكل زوجته ثم طلقها، فإن الطلاق لا يوجب عزلتها، إلا أن يعلم أن الموكل لا يرضى بتصرفها مع انقطاع ما بينهما من المودة والعصمة.

وكذلك لو وكل عبده ثم أعتقه، فإن بين أصحاب الشافعي خلافا في انعزاله لأجل العتق، لأجل أن وكالة الإنسان لعبده كأمر له بخدمته، واعتاقه له يرفع وجوب إنفاذ أوامره لأجل أنه لا يقدر على جبره على الخدمة في ماله. ولا يقدر على ذلك في الزوجة وغيرها من الأجانب.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٥٤