تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما إن كان الوكيل غائبا فعزله الموكل، وبلغته العزلة وعلمها، فإنه يتحقق عليه حكمها، ويكون متعديا في التصرف في المال الذي عزل عنه.

وأما إن لم تبلغه العزلة، وتصرف بعدها وقبل العلم بها، فإن المذهب على قولين: هل يثبت حكم المنع من التصرف في باطن الأمر أم لا يثبت؟ وكذلك عند الشافعية قولان في هذا، أيضا، واختار أبو حامد الاسفرائيني ثبوت حكم العزلة وإن لم يعلم بها الوكيل، قال: وبهذا نفتي. ومذهب أبي حنيفة أن العزلة لا يثبت حكمها حتى يعلم الوكيل بها.

وقد جرى الرسم في المذاكرات بين الفقهاء وأهل الأصول في إجراء هذه المسألة على اختلاف الأصوليين في النسخ هل يتحقق حكمه عند بلوغ الخطاب للنبي عليه السلام وإن لم يبلغه للمكلفين، أو لا يتحقق حتى يبلغه إليهم. وذكر

في مثال ذلك ما جرى من نسخ القبلة التي كانت إلى بيت المقدس فحولت إلى الكعبة، فأتى وجل بعض الصحابة وهم يصلون، وضي الله عنهم، فأخبرهم أن القبلة قد حولت، فاستداروا، واعتدوا بما مضى من الصلاة. وإن كان قد وقع منهم هذا الفعل بعد النسخ، في ظاهر الأمر.

وعلى هذا يجري في المذاكرات الاختلاف الذي وقع في خطيب خطب يوم الجمعة، وهو معزول ولم يعلم بالعزلة، هل يعتد بتلك الخطبة أم تعاد؟ فكذلك يجري الأمر في الوكيل فإن الإذن له في التصرف كالأمر به، والعزل له كالنهي. فيختلف فيه، أيضا، هل يتحقق حكم النهي من المخلوق قبل العلم به. كما قلناه في نهي الخالق تعالى.

ومن الناس من ذهب إلى التفرقة بين ثبوت الناسخ ولم يعلم به المكلف، وبين مسألة الوكيل. فإن العبادات وأمور الديانات بخلاف المعاملات, لأن المكلف إذا أمر بالتوجه إلى بيت المقدس فإنه حرام عليه الصلاة لغيرها، ويؤثم إن فعل وهو مأمور بالصلاة إليها، فلا يتحقق كونه يثبت عليه حكم النهي عن الصلاة إليها. وأما تصرف الوكيل فإنه من المباحات، إن شاء تمادى عليه، وإن شاء تركه فيتوجه عليه حكم النهي عن التصرف. ولا مناقضة في ذلك لأنه كان له ألا يتصرف. ولم يمكن المصلي إلى بيت المقدس ألا يصلي إليها. فإذا باع الوكيل ما وكل على بيعه، وهو معزول ولم يعلم بالعزلة، فإن البيع يمضي على الموكل إذا قلنا بأن حكم العزلة إنما يتحقق بعد العلم، وإن قلنا: إن حكمها يتحقق قبل العلم كان للموكل أن ينقض البيع ويرتجع سلعته إن كانت موجودة، ويجري الأمر فيها على حكم الاستحقاق.

وقد ذكر ابن القاسم أن من وكل على قبض دين، ثم عزل عنه ولم يعلم بالعزلة، متى قبض الدين فإن المديان لا يبرأ في الدفع إليه.

وأشار سحنون إلى مناقضة من قال بهذا في الدين، وقال في البيع بإمضائه. والظاهر أنه اختلاف. وقد تقرر اختلاف المذهب في من أتلف مال

غيره غلطا، بإذن تقدم، هل يضمن أم لا؟ فقيل بضمانه لكون الخطإ والعمد في مال الناس سواء. وقيل: لا يضمن لأجل شبهة الإذن. فكذلك يجب الاختلاف في تصرف الوكيل قبل أن يعلم بالعزلة على هذا الأصل لأنه تصرف بوجه شبهة الإذن. وقد قال في المرأة إذا أنفقت من مال زوجها، بعد أن طلقها ولم تعلم بطلاقه: إنه لا يرجع عليها لأنه أخطأت على مال زوجها بشبهة الإذن. خلاف أن يموت زوجها فتنفق من ماله بعد الموت فإنها تطلب بالنفقة لما كان خطؤها ها هنا على مال الورثة، وهم لم يتقدم لهم إذن لها، بخلاف خطإها على مال زوجها وهو حي.

وكذلك اختلف المذهب في تصرف الوكيل بعد أن مات الموكل ولم يعلم بموته. فقيل: تصرفه غير ماض، وللورثة أن يردوا بيعه. وذكر ابن المنذر أن هذا إجماع من أهل العلم. وليس كما قال، بل في المدونة إمضاء تصرفه، في ظاهر ما قال.

وذهب مطرف إلى أن دفعه وقبضه بعد موت الموكل ماض وإن علم بموته. وهذا إفراط, لأن تصرفه قبل العلم فيه من الإشكال ما بيناه ورددناه إلى مسألة أصولية، وأما بعد العلم واعتقاده أن الورثة صار المال إليهم، فلا وجه له. إلا أن يرى أن هذا حق استحق على الورثة قبل أن يرثوا هذا المال، فلهذا أمضاه. وهذا بعيد.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٥٣