وفي هذا نظر في العقد الفاسد هل يرد إلى أحكام صحيحة أو يرد إلى حكم نفسه كما تقدم بيانه.
والجواب عن السؤال التاسع (2) أن يقال:
إذا صرح المشتري بإسقاط العهدة، فإنها تسقط.
وإن فعل فعلا ينافي القيام بها، مثل أن يعتق العبد أو يطأ الأمة فتحمل منه، فإن ابن القاسم ذهب إلى أن ذلك علم على الإسقاط. وأجراه مجرى النطق بالإسقاط. ورأى غيره أن ذلك لا يكون إسقاطا، بل يجب الرجوع بقيمة العيب، كما لو أعتق عبدا ثم اطلع بعد عتقه على عيب، فإنه لا يسقط حقه في القيام بالعيب، ولكن إنما يقضى له بقيمة العيب لامتناع رد المبيع. فكذلك ها هنا إذا لم يحمل عتقه ولا إصابة الأمة على إسقاط العهدة، وجب أن يكون ما فعل يوجب له قيمة العيب.
واحتج بعض من ذهب إلى هذا القول من أصحاب مالك بأن المشتري لا يمنع من الوطء في السنة، وإذا لم يمنع منه، وهو يجوز أن يكون عنه حمل،
ولا يصح أن يكون ما فعله من هذا كالنص على إسقاط حقه في العهدة.
وقيل: أما العتق فينقض, لأنه إذا ظهر من العيب ما اقتضى انحلال العقد، وبقي المبيع على ملك البائع، وجب رد العتق. ذكر هذا القول في من أعتق في عهدة السنة. وهو يقتضي طرد ذلك في عهدة الثلاث، وهو خلاف الأصول. وقد يقتضي رد العتق بعيب قديم كان قبل عقد البيع إذا قيل: إن الرد بالعيب حل للعقد من أصله. وقد كنا ذكرنا الخلاف في هذا الأصل، وذكرنا وجه الخلاف فيه.
وقال ابن كنانة: لو تجذم العبد في السنة، وقد أعتقه المشتري، لوجب أن يرجع بقيمة العيب، ويكون ما ترك العتيق من مال لمن أعتقه بحكم الولاء. ولو كان ما حدث من الجذام يجعل العبد لا قيمة له على حال، لوجب رد الثمن كله. فإن مات هذا العتيق، أخذ البائع من تركته ما رده من الثمن، وكان ما فضل عن ذلك للمعتق بحكم الولاء.
وألزم بعض الأشياخ أن يكون هذا العتيق لو قطعت يده وأخذ فيها دية حر أن يكون للبائع أن يرجع على المشتري بما نقص قطع يده من قيمته, لأنه يقول للمشتري: لولا إعتاقك له، لرجعت على الجاني بقيمة ما أتلف.
والجواب عن السؤال العاشر (1) أن يقال:
إذا اختلف البائع والمشتري في مضي أمد العهدة، فإن في هذا قولين: أحدهما تصديق البائع لكون المشتري يحاول نقض بيع قد انعقد، فهو المدعي المطلوب بالبينة.
والقول الآخر: أن القول قول المشتري، استصحابا بالأصل، وهو كون الضمان على البائع. فهو المدعي لسقوطه عنه.
وهكذا لو باع عبدا فأبق، فإن له الرد بعيب الإباق.
ولو تبرأ في العقد من الإباق، ففيه قولان: هل يكون إثبات خروجه سالما من العهدة على البائع، استصحابا لحال الضمان، وهي رواية ابن نافع عن مالك في المدونة. أو يكون على المشتري إثبات أنه قد هلك في العهدة.
وبهذه الرواية الثانية أخذ ابن القاسم.
وكذلك لو اختلف المتبايعان في عبد بيع بالخيار، وقد ذهبت أيام الخيار، هل مات في أيام الخيار أو بعد ذهابها؟ ففيه أيضا قولان، سببهما استصحاب حال كون البيع منعقدا أو استصحاب حال ثبوت الضمان.
وكذا يجب على هذا لو اختلفا في تاريخ انعقاد البيع وتداعى المتبايعان في العيب، هل هو قديم أو حديث؟ أن يكون القول قول المشتري في التاريخ استصحابا لعدم عقده. أو القول قول البائع استصحابا لكون البيع منعقدا، فلا ينتقض بالدعوى. وهذا قد يحتاج إليه إذا أحال الشهود تاريخ قدم العيب أو حدوثه على زمن، واختلف المتبايعان: هل كان عقد البيع قبل ذلك الزمن أو بعده؟
والجواب عن السؤال الحادي عشر (1) أن يقال:
قد تقرر أن من باع ملك نفسه، فعهدة ذلك عليه. وإن تكلف غيره بيع ذلك بإذنه كوكيل، أو بإذن الشرع كقاض أو وصي، فإن هذا يتفصل القول. فلا يخلو أن يكون من تولى البيع انتصب انتصابا مشتركا لسائر الناس كالنخاسين والسماسرة، أو يكون ممن عدا هؤلاء.