تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأما النخاسون والسماسرة ومن في فعناهم، فإنهم لا عهدة عليهم فيما باعوه، ولا مطالبة بثمن إن استحقت السلعة أو ردت بعيب ولا يمين عليهم،

لكن يؤمرون بإعلام مشتري السلعة بصاحبها الذي وكلهم على بيعها ليحاكموهم فيها. وإنما (1) كان الأمر كذلك لأن الناس الذين يشترون منهم إنما يدخلون معهم على هذا الحكم الذي ذكرناه، ولكونه من المصلحة لأنهم يكثر ذلك عليهم ويتكرر لديهم فلو ضمناهم أثمان ما باعوه من السلع لانقطعوا عن هذا العمل وأضر بالناس انقطاعهم. فكان من المصلحة نفي الضمان عنهم، كما كان من المصلحة إثبات الضمان على الصناع.

وأما من عدا هؤلاء، وكان أيضا منتصبا لهذا بإذن الشرع انتصابا عاما كالقضاة، فإنه لا عهدة عليهم فيما باعوه على مفلس، أو لإنفاذ وصايا لأنهم كالملزمين بهذا شرعا، ولا منفعة لهم فيه. والناس الذين يشترون منهم إنما يدخلون معهم على هذا، فلو ضمنوا لوقفوا عن الحكومات في هذا. لكن يقضون برد الثمن على من قبضه منهم إن كان موجودا بعينه. وإن استهلك نفضل القول فيه على ما يرد في موضعه في أحكام الاستحقاقات إن شاء الله تعالى.

وأما الوصى فقد قال في المدونة: لا عهدة عليه فيما بيع في أموال اليتامى.

وإنما العهدة في مال اليتامى المبيع عليهم ذلك المستحق والمردود بعيب.

واختار ابن المواز إثبات العهدة عليهم وعلى الوكيل المفوض إليهم (2).

وكان بعض أشياخي يشير إلى أن إثبات العهدة عليهم أنها فيما باعوه من أموال اليتامى للتجارة به، لأنهم فجلوا ذلك اختيارا من غير ضرورة إليه، إذ لا يلزم الوصي أن يتجر بمال اليتيم. فإذا فعل ذلك اختيارا، صار كالوكيل المفوض إليه الذي يقضى بالعهدة عليه لكونه دخل في ذلك اختيارا، وأحل نفسه محل مالك السلعة في تفويض الأمر إليه في بيعها متى شاء ممن شاء. فأما إن باع للإنفاق،

فيكون كوكيل معين على بيع أمر معين، فلا عهدة عليه، على ما ذكر في المدونة في الوكيل المعين.

وأما بيع الوكيل المفوض إليه، فإن العهدة عليه لما ذكرناه من التعليل.

وكذلك المقارض لما ذكرناه أيضا. ولكن الناس إنما يدخلون مع العاملين بالقراض على إثبات العهدة عليهم وأنهم كالبائعين لملك أنفسهم.

وكذلك حكم الشريك المفاوض في نصيب شريكه إذا باعه مع نصيب نفسه. وأما إن لم يكن مفوضا إليه، فهو كوكيل على معين. وقد اختلف قول مالك في الوكيل المعين على بيع شيء معين. ففي المدونة: لا عهدة على الوكيل في هذا. وذكر ابن المواز أنه اختلف قول مالك في هذا. وقال أصبغ في الوكيل المعين: عليه عهدة إلا أن يشترط أن لا عهدة عليه. فأثبت أصبغ العهدة ها هنا وأجاز اشتراط سقوطها, لكون هذا اشتراط غير ممنوع في نفسه. لا سيما وقد صادف أحد قولي مالك في أنه لا عهدة على هذا الوكيل.

وأما تعلق اليمين على الوكيل المعين، فإن في ذلك قولين: ذكر في المدونة في وكيل ردت دراهم لأجل كونها زائفة: أنه يحلف. وذكر ابن المواز أنه لا يمين على الوكيل على بيع شيء بعينه. قال: لأنه لو أقر بعد انقطاع وكالته بالعيب الذي قام به المشتري لم ينقض البيع. وسنبسط هذا في كتاب الوكالات إن شاء الله تعالى.

وقد ذكر في الموازية أن مالكا قال: إذا اشترط الوصي والوكيل المفوض إليه: لا يمين عليهما. فالشرط ينفعهما إن كانا من أهل الدين والفضل. وأما إن لم يكونا كذلك، لم ينفعهم هذا الشرط. فقدر أن أهل التصاون والأقدار في الديانات نقص منهم استحلافهم فيوفى لهم بهذا الشرط, لأنه اشتراط لهم فيه منفعة وينفي عنهم مضرة ويكرمون أن يحلفوا لأجل مال غيرهم. ومن سواهم أبقاهم على الأصل في تعلق اليمين بهم إذ لا يلحقهم معرة استحلافهم.

ولما ذكرنا في هذه التقاسيم حكم سقوط العهدة عن السماسرة، اقتضى

الحال أن نبين حكم ما أخذوه من جعالة: وقد ذكر في المدونة أن السلعة إذا ردت بعيب، رد السماسرة الجعل. وقدر أن البيع لما رد بالعيب، انتقض من أصله، وكأنه لم يعقد، والسمسار إذا لم يعقد البيع الذي استؤجر عليه، فإنه لا جعل له. وتأول الشيخ أبو بكر بن اللباد هذا على أن البائع لم يدلس. فأما إن دلس بالعيب، فإنه لا يلزم السماسرة رد الجعل، لكون البائع لما دلس صار قاصدا إلى إتعاب السمسار واستخدامه على جهة التغرير به في خدمته لما علم البائع أنها تذهب باطلا إذا رد البيع بالعيب. وقال الشيخ أبو الحسن بن القابسي تتميما لهذا الذي قاله ابن اللباد: هذا أيضا إذا كان السمسار غير عالم بأنه قد دلس البائع بالعيب. وأما إن كان السمسار عالما بتدليسه، فإنه يكون له أجر مثله. فقدر أنه إذا كان السمسار عالما بهذا التغرير به، ارتفع بعلمه هذا كون البائع مغررا به. ولكنه قضى له بأجر مثله، وكان ينبغي أن يقضى له بالتسمية، لأن هذا الفساد الذي تواطأ عليه البائع والسمسار من ناحية العقد وكونه عقدا محرما، والبائع استأجر السمسار إجارة ممنوعة فاسدة من ناحية عقدها؛ وما فسد من جهة عقده فات فيقضى فيه بالتسمية. لكن هذا يمكن، كما قال الشيخ أبو الحسن، فيه أنه فساد من ناحية الأثمان، لكون الجعل في نفسه غررا، فأجيز للضرورة، كما يرتفع الغرر إذا أنهى العامل عمله وبلغ نهايته. كالجعل على طلب الابق، فإن الآبق إذا حصل ارتفع الغرر بحصوله. وهذا السمسار ينهي العمل نهايته، وهو أن ينفذ بيع السلعة، ثتم يبقى بعد ذلك مترقبا بردها بالعيب، فصار هذا غررا من ناحية الأثمان، ففسد هذا الجعل لذلك. فيقضى فيه بإجارة المثل، ويجعل المثل على الخلاف في ذلك إذا فسد الجعل. وسنبسط سببه إن شاء الله تعالى في موضعه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٤٠