تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن كان القاضي أبو محمد أشار في بعض كتبه إلى ارتفاع الخلاف في الغلة، وأنها للمشتري. لكن المنصوص ها هنا أن ذلك للبائع. وقد قال في كتاب بيع الخيار من المدونة: ما جنى على العبد في الثلاث أو تصدق به عليه، فإنه للبائع.

لكن ابن أبي زمنين ذكر معارضة في قوله: إن ما جني عليه في الثلاث فأرشه للبائع، وللمشتري أن يرده بعيب هذه الجناية، فإن الواجب في العبد المجني عليه إيقافه حتى يطلع على ما تنتهي إليه الجناية، ولا يقضي فيها قبل برئها.

والأمد الذي ينتظر فيه برؤها مجهول، فيجب أن يفسخ هذا البيع، ويمنع المشتري من إمضائه، لأجل هذه الجهالة بأمر الوقف لانتظار البرء. إلا أن يسقط عن الجاني هذه الجناية، فيصح للمشري الرضى بهذا العيب، بشرط، أيضا، أن تكون الجناية غير مهلكة، فإنه لا يمكن من إمضاء هذا البيع، ولو سقطت الجناية, لأنه يكون كابتداء شراء عبد قد قارب الموت.

وهذا الذي نبه عليه ابن أبي زمنين من المعاوضة التي وقعت لبعض أشياخه في هذه بأن رضا المشتري بإمضاء البيع مع هذا العيب يجب أن يمنع منه.

وما فعله هو أيضا من فسخ البيع إلا أن يشترط الجناية، ولم يبلغ العبد إلى حالة لا يجوز عقد الشراء فيها، إنما يصح على إحدى الطريقتين. وأما على الطريقة الأخرى، وهي مذهب أصحاب مالك، في أن ما توجبه الأحكام في هذا بخلاف ما دخل فيه اختيارا، وأن ما حدث بعد العقود من جهالة قد كانت مرتفعة في أصل العقد لا يمنع من التمسك بالمبيع.

وقد ذكرنا في أول كتاب الرد بالعيب مذهب ابن حبيب في أن استحقاق أكثر الثياب المبيعة لا يمنع المشتري من التمسك بما لم يستحق، وإن كان مقداره في الثمن مجهولا، لما كان معلوما في أصل العقد. فكذلك ما نحن فيه، بل هو أبعد من هذا, لأنه قد تكون جناية قد برئت في الحال. أو وقفا للإطلاق على الواجب فيها لا يمنع من كمال التصرف في المبيع والانتفاع به، فلا يكون لهذا الوقف تأثير في منع البيع.

والذي ذكرناه ها هنا من إجراء هذه المسألة على الاختلاف في المحبوسة بالثمن إنما يتضح إذا قلنا في بيع العهدة: إنه منعقد.

وأما إن قلنا: إنه موقوف على ذهاب أيام العهدة، فإن ذهبت والمبيع

سالم بينا (1) صحة العقد. وإن ذهبت وهو معيب بينا (1) أنه عقد غير لازم للمشتري، فإن هذا يخرج على طريقة أخرى.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: أما العهدة فإنها عهدتان: كبرى من جهة الضمان صغرى من جهة الأمد، وهو ثلاثة أيام. فإن ضمان كل ما حدث بالعبد أو الأمة متعلق بالبائع عموما، كان ذلك بأمر من الله سبحانه، أو باكتساب من الناس.

والعهدة الثانية صغرى من جهة الضمان كبرى من جهة الأمد، وهي عهدة السنة. فإن البائع لا يضمن العبد أو الأمة إلا من ثلاثة أدواء وهي الجنون والجذام والبرص.

واختلفت الرواية عن مالك في دخول العهدة الصغرى في العهدة الكبرى من ناحية الأمد، هل تحسب السنة من يوم العقد، أو بعد انقضاء الثلاثة أيام؟ وسبب الاختلاف أن الأصول مبنية على دخول الأصغر في الأكبر كما نقول، فيمن بال ثم أجنب، فإن الوضوء الواجب عن البول ساقط عنه بدخوله في الغسل الواجب عن الجنابة. وكما نقول العمرة تدخل في عمل الحج لمن قرن الحج والعمرة، لما كانت جزءا من أعمال الحج. وهذا مقتضى دخول الثلاثة أيام في السنة.

أو يقال بأن الضمان المتعلق بالثلاث ضمان سائر الأمراض، وذهاب العين، والمتعلق بعهدة السنة ضمان لأمور مخصوصة، كما قدمناه. فلما اختلف تأثيرهما واختلف أمدهما، لم يتداخلا. ووجب أن تكون عهدة السنة، بعد ذهاب الأيام الثلاثة وبعد ذهاب أيام الاستبراء فيما يجب فيه الاستبراء. لكن دخول الثلاثة أيام في أمد الاستبراء ثابت، لكون تأثير الأمرين لا يختلف. لأن عهدة الثلاث تتضمن الضمان لكل نقص. فارتفع سبب الخلاف الذي ذكرناه في دخول عهدة الثلاث في عهدة السنة.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٣٤