وكذلك يحل وطؤها بهذا الرد، كمختلفين في ثمن جارية، فتحالفا وتفاسخا، فإن للبائع وطء الجارية إذا تفاسخا فيها وتحالفا، وإن كان يعتقد أن مشتريها قد ظلم في ردها.
وهذا قد سبق نحن كلامنا على هذه المسألة في اختلاف المتبايعين.
وإذا اشترى رجل عبدا بالبراءة ثم باعه على العهدة، فإن للمشتري مقالا في هذا البيع ونقضه, لأنه يعتل بأنه قد يطلع على عيب يجب له من أجله رد هذا العبد بالعيب، فيجد البائع مفلسا، فيكون من حقه أن يرد على من باع ذلك منه، فلا يمكنه لكون البيع الأول عقد على البراءة.
وخرج على هذه الرواية ثبوت مقال لمن اشترى عبدا من رجل وهب له ذلك العبد، لأجل أنه يعتل المشتري أيضا بأن يقول: قد يستحق العبد من يدي، فيجب لي الرجوع على من باعه مني فاجده مفلسا، فلا يكون لي سبيل إلى الرجوع على من صار إليه ذلك العبد منه، لكونه أخذ هذا العبد هبة لا عن معاوضة.
وكذلك أيضا لو اشتراه على العهدة وباعه بالبراءة، فإنه يمنع من هذا البيع، لكون المشتري قد يطلع على عيب أتلف هذا العبد، فلا يمكنه الرجوع على من باعه منه، لكون البائع منه قد تبرأ له من العيوب، فيحصل له ثمن العبد الفائت ويكون من حقه الرجوع على من باعه منه، لأجل أنه لم يبرأ له من العيب، فيحصل على أخذ ثمن هذا العبد مرتين، فمنع من هذا العقد لأجل هذا الذي ذكرناه. وبالله التوفيق.
قال القاضي أبو محمد، رضي الله عنه،: وعهدة الثلاث لازمة في الرقيق.
ثم عهدة السنة بعدها من الأدوار الثلاثة الجنون والجذام والبرص في كل بلد جرت عادتهم باشتراطها أو استأنفوها. ولا تلزم في المواضع التي لم يتعارفوها إلا أن يستأنفوا اشتراطهما.
قال الإمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل اثنا عشر سؤالا. منها أن يقال:
1 - ما معنى العهدة؟
2 - وما تأثيرها؟
3 - وما قسمتها؟
4 - وما محلها من البياعات؟
5 - وما محلها من العقود؟
6 - وما محلها من البلاد؟
7 - وما حكم النقد فيها؟
8 - وما حكمها في البيع الفاسد؟ (1)
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: المراد بالعهدة ها هنا تعلق البيع بضمان البائع فيما طرأ عليه من نقص في بدن أو ثمن أو تلف عين.
وهذا مما ينقسم في البياعات الصحيحة اللازمة على قسمين:
أحدهما الضمان من جهة حق توفية لزمت البائع بكيل أو وزن أو عدد، أو بالتسليم وإمكانه. وهذا يؤخر الكلام عليه إلى فراغنا من هذا الفصل، وإن كان يعد منه أولا. وقد ذكره في المدونة في أول كتاب الرد بالعيب. ولكن أخرناه لتأخير القاضي أبي محمد رحمه الله في كلامه على العيوب.
والقسم الثاني تعلق الضمان بالبائع بعد قبض المشتري المبيع. وهو الذي نبينه في هذا الفصل.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: هذه العهدة التي نتكلم عليها على وجهين: عامة في الضمان، وخاصة.
فأما العامة من ناحية الضمان، ففي عهدة الثلاثة أيام.
وأما الخاصة من جهة الضمان عهدة السنة، فإن البائع لا يطالب فيها إلا بضمان ثلاثة أدواء، إن ظهرت، وهي الجنون والجذام والبرص.
وأما عهدة الثلاث، فإنه يضمن البائع سائر ما حدث من الأمراض فيها والنقص كله وذهاب العين. لكون هذه المدة جعلت في الشرع مضافة إلى ملكه، والمالك مصيبة ما حدث في ملكه منه. وإذا كان كذلك كانت النفقة على البائع، والكسوة. كما يكون ذلك عليه في ملكه.
ومقتضى هذا أن تكون له الغلة في هذه الثلاثة أيام. لكن هذا المعنى نبسطه في الفصل الذي وعدنا بالكلام عليه بعد هذا. فإن رأي بعض أشياخي أن الغلات فيما بيع واحتبس بالثمن يجري على القولين في ضمان ما حبس بالثمن.
فإن قلنا: ضمانه من البائع، كانت الغلات له, لأن الخراج بالضمان. وإن قلنا: إن الضمان من المشتري، كانت الغلات له. وهكذا قال سحنون لما ذكر اختلاف قول مالك في بيع الغائب أن النماء والنقصان يجري على اختلاف قوله.