تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وظاهر هذا الحديث يقتضي ألا يوقف يمين البائع على دعوى المشتري أن البائع عالم بالعيب, لأن عثمان، رضي الله عنه، لم يطلب المشتري أن ينطق بهذه الدعوى. وهذا هو الأظهر في الروايات إذا طالب المشتري استحلافه ولم يدع أنه عالم يكون البائع عالما.

وقد قال لبعض المتأخرين: إن الرواية التي قدمناها عن ابن (1) المذكورة في المستخرجة من قوله: إذا نكل البائع، لم يرد البيع إلا بعد يمين المشتري.

يقتضي وقف هذا الحكم على دعوى المشتري: أن البائع عالم بالعيب.

وهذا الذي قاله فيه نظر, لأنا قدمنا أن هذه الرواية التي أشرنا إليها لم يلزم المشتري فيها أن يحلف على أن البائع عالم بالعيب. فإنما تلزمه اليمين على أنه لم يعلم أن هذا العيب حدث عنده. فلا يكون في هذا تعلق بما أشار إليه. هذا فيما استقراه من هذه الرواية.

والجواب عن السؤال الثامن أن يقال: ذكر بعض المتأخرين أن بيع البراءة إذا وقع من السلطان وأهل المواريث الذين باعوا لقضاء دين أو إنفاذ وصية، فإن المشتري إذا اطلع على عيب قبل أن يفوت الثمن ويفرق على الغرماء فإن له الرد بالعيب. فإذا فرق الثمن على الغرماء، لم يرد بالعيب.

فحصول تأثير البراءة في بيع السلطان والمواريث، كما قدمناه، لكون الثمن قد فات واقتسمه الغرماء. فصارت هذه ضرورة تقتضي منع الرد بهذا العيب. بخلاف أن تكون البراءة إنما تثبت باشتراط، على أحد القولين المتقدمين،

فيما باعه الإنسان لنفسه واشتراط البراءة منه، فإن المشتري لا قيام له بعيب، وإن كان الثمن حاضرا، لكون اشتراط البراءة من ثبوت حق له في هذا العيب.

وهذا فيه نظر عندي لا ينحقق فرق بين بيع السلطان وبين اشتراط البراءة فيما باعه الإنسان لنفسه في هذا. لأن بيع السلطان إذا كان الحكم يوجب البراءة فيه، كان ذلك كبراءة تجب بالاشتراط. بل ربما كان ما يجب حكما آكد مما يجب شرطا. فهذا مما ينظر فيه.

لكن قد وقع في المدنية في السلطان إذا باع وثبت أنه علم بالعيب فيما باعه، أو ثبت أن الغريم الذي بيع ذلك عليه عالم بالعيب، أن داود بن جعفر روى عن مالك أن المشتري يرد هذا المعيب إذا كان حاضرا. فإذا كان فرق على الغرماء لم يرد بذلك، مع كون هذه البراءة قد بطلت بعلم البائع بالعيب، فوجب الرد.

وفرق بين كون الثمن قسم على الغرماء أو لم يقسم، فمنع من الرد إذا قسم، لكون هذه ضرورة تمنع من رد البيع. بخلاف إذا كان الثمن حاضرا.

وهذه التفرقة تشير إلى التفرقة التي حكيناها عن بعض المتأخرين فيما يثبت من البراءة حكما لاشرطا.

وقد حكي عن مالك وابن نافع، وغيرهما من أصحاب مالك: أن العلم بالعيب حين عقد السلطان له الحكم المطالبة بقيمة العيب. وقدر في هذا القول أن هذا المعيب، وإن كان المعيب لم يفت، فإنه يقدر كمبيع فات يكون الحكم فيه المطالبة بقيمة العيب، لكون الثمن اقتسمه الغرماء، ويعسر رده منهم.

والمشهور من المذهب تمكين المشتري من الرد إذا ثبت كون السلطان عالما بهذا العيب حين باع والرجوع بالثمن على الغرماء.

وقد وقع لسحنون فيمن قيم عليه بسقوط أضراس عند بائعه. فقال البائع للمشتري: تبرأت إليك منها، فأنكر المشتري، فأتى البائع ببينة: أنه باع بالبراءة مطلقا، أن هذا لا ينفعه. لكون قوله: تبرأت إليك منها تتضمن أنه عالم بهذا

العيب. ومن علم بالعيب لا تنفعه البراءة مطلقة، كما قدمناه.

وتعقب هذا بأن قوله: تبرأت إليك منها، تضمن أنه عالم بهذا العيب.

ومن علم بالعيب لا ينفعه البراءة مطلقة، كما قدمناه.

وتعقب هذا بأن قوله: تبرأت إليك منها، يحتمل أن يكون أراد أن البراءة العامة تبريني منها، كما تبرأت إليك منها، تخصيصا لها بالذكر.

وكذلك أيضا وقع لسحنون فيمن قيم عليه بعيب في جارية فقال: بعتها بالبراءة، فأنكر المشتري ذلك، فصدق المشتري، وقضى بأن القول قوله، ورد الجارية، فقام بائعه منه الذي ردت عليه على من باعها منه هو أيضا. فقال له البائع الأول: أنت زعمت أنك بعتها بالبراءة من هذا العيب، وأن هذا الذي ردها عليك ظلمك فردها عليك، ولا سبيل لك إلى ردها علي، وقد أقررت بأنها ردت عليك بغير حق. فقال سحنون: له أن يردها على البائع لكون البيع قد انتقض.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٣٢