وتعقب هذا القول عليه ونقض فيه ما تقدم من قوله: إن ما بعد العقد ملحق بالعقد. فإذا باع جارية بعشرة دنانير ليبرأ من عيوبها، فإن العقد، وإن لم يعتبر فيه ما سقط، قد اشترط فيه البراءة، واشتراط البراءة في الجارية في أصل العقد يجوز، وإن لم يخص بعوض، واشتراط ألا يتزوج في أصل عقد النكاح لا يلزم. ولا يبعد هذا الاشتراط على المعروف من المذهب، وهذا يمنعه من قياس اشتراط البراءة على اشتراط ألا يتزوج:
والجواب عن السؤال السابع أن يقال:
إذا انعقد البيع على البراءة فاطلع المشتري على عيب، فإن الحكم أن يحلف البائع أنه لم يعلم بالعيب. فإن حلف على ذلك سقط مقال المشتري في الرد، وإن نكل رد عليه المبيع بالعيب. وفيما كان ذلك كذلك لأجل البراءة يشترط في تأثيرها كون البائع لا يعلم بالعيب. فلو ثبت أن العيب عنده وأنه باع وهو عالم به، لكان يجب للمشتري الرد. فإذا أمكن علمه بذلك، استظهر عليه باليمين لأجل هذا الإمكان. فإن حلف فقد رفع يمينه حكم هذا الشك والإمكان. وإن نكل صار كالمقر بأنه عالم بالعيب، فيجب الرد عليه، من غير يمين على المشتري, لأنه غير قاطع على علم البائع بذلك. ويجري ذلك مجرى أيمان التهم التي لا يرجع اليمين فيها. هذا الأصل المشهور من المذهب.
وإن كان قد ذكر في المستخرجة عن ابن القاسم أن البيع لا يرد حتى يحلف المشتري على أن هذا العيب لم يحدث عنده.
وقد تعقبت هذه الرواية بأنه ذكر فيها، أن العيب قديم، ثم استحلف المشتري على أنه لم يحدث عنده، ولا يصح استحلاف أحد على قول شهدت له بصحته البينة.
واعتذر عن هذا بأن قدم العيب لم يثبت يقينا، وإنما ثبت بقول علماء الطب، وقد يخطئون فيما يعتقدون من المداواة والعلل. فلهذا لم يحكم ها هنا بقدم العيب على القطع.
وهذه الرواية لم يرجع اليمين فيها على المشتري على طباق ما وجبت على البائع, لأن طباق ما وجبت على البائع أن يقول المشتري: بالله لقد علمت أنها البائع بها. ولكن هذا لا يلزمه لعدم القطع على علم البائع كما قدمناه. وإنما صار في هذه الرواية إلى استحلاف المشتري لأجل أن الأصول تقتضي أن اليمين إذا وجبت في محل فعدل عنها، انتقلت إلى المحل الآخر.
هذا إذا ثبت قدم العيب.
وأما الوشك في قدم العيب أو حدوثه، فإن فيه قولين:
أحدهما إثبات اليمين، إذا وجبت، لحصول الشك في كون هذا العيب كان عند البائع، وفي كونه علم بما فيه، فيفتقر إلى رفع هذا الإمكان إلى يمين البائع.
وقيل: لا يمين عليه ها هنا لأجل أن المؤثر في الرد علم البائع بالعيب.
فإذا ثبت قدم العيب، حلف على نفي إمكان واحد. وإذا لم يثبت قدمه وشك في حدوثه عند المشتري، لم يؤثر إمكان كونه عالما بالعيب إلا بعد إمكان وجه آخر، وهو كون العيب قديما عند البائع. فلما صار الإمكان ها هنا لم يتصور إلا بواسطة وإمكان آخر ضعف تعلق اليمين.
هذا هو وجه الاعتبار فيما قدمناه. لكن عول مالك، رضي الله عنه، فيه على قضية عثمان بن عفان، رضي الله عنه، فإنه حكى في موطئه أن عبد الله بن عمر باع غلامه فقام المشتري بعيب فيه، وقال لابن عمر: بعتني، وبه داء لم أعلم به. فاختصما إلى عثمان، رضي الله عنه، فقضى على عبد الله بن عمر باليمين أنه لم يعلم بالعيب، فأبى أن يحلف، وارتجع العبد، فذهب عنه الداء فباعه عبد الله بن عمر بعد ذهاب دائه بألف وخمسمائة درهم. وقد كان بيعه
الأول بثمانيمائة درهم. فاقتضى هذا الأثر كون البراءة لا تؤثر فيما علمه البائع من العيب. واستحلاف البائع على أنه لم يعلم بالعيب. وقضي بذلك على ابن عمر، رضي الله عنه،- وإن كان من الفضل، وبروز العدالة، والمبالغة في الديانة، بحيث لا يتهم، طردا لهذا الحكم وجعله كقضية كلية في الصالح وغير الصالح، كما كنا قدمنا في بياعات الآجال واعتللنا به في حماية الذرائع.