تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما بيع الورثة لقضاء الديون وتنفيذ وصايا، فإن فيه الخلاف المشهور، فاقتصر مرة على ثبوت البراءة في بيع السطان، ومرة أخرى أضاف إلى ذلك بيع الميراث ومراده في بيع أهل الميراث ما باعوه لقضاء دين أو إنفاذ وصية. وأما ما باعوه لأنفسهم، بحكم الانفصال من شركة بعضهم لبعض، فلاحق ببيع الرجل مال نفسه بالبراءة. فظاهر المذهب يقتضي اختلافا في بيع البراءة، هل يصح بالاشتراط أو لا يصح ويثبت (1) إلا لمن اقتضى الحكم كون مطلق بيعه بيع براعة. فإذا قلنا: لا تصح البراءة إلا في بيع السلطان، أو في بيعه وبيع الورثة، ونفينا بيع البراءة في حق هذين (2) وإن اشترطوهما (3)، تضمن ذلك كون الشرط

لا يؤثر فيها. وإن قلنا: تصح البراءة لمشترطها، وإن لم يكن سلطانا ولا وارثا، اقتضى ذلك ثبوتها بالاشتراط.

وقد قال مالك في الموطأ: من باع عبدا أو وليدة من أهل الميراث أو غيرهم على التبري، فقد برئ من كل عيب. وهذا الإطلاق يقتضي ثبوتها بالاشتراط لقوله: أهل الميراث أو غيرهم. وكان من يثبتها بالاشتراط يرى أن علة الجواز استواء البائع والمبتاع في الجهل بالعيب، على حسب ما قدمناه.

فإذا اشترط البراءة فقد أخبر أنه جاهل بالعيب كجهل المشتري به، فصح اشتراطه. وإن قلنا: إن الاشتراط لا يؤثر فيمن لا يقتضي مطلق بيعه البراءة، فإن ذلك مبني على أن ما لا يقتضيه من البراءة إطلاق العقد فلا يقتضيه الاشتراط، كما لو اشترط البائع البراءة مما علمه من العيوب فكتمه، فإن ذلك لا ينفعه لما كان إطلاق عقد البراءة لا يتضمن البراءة من عيوب يعلمها البائع.

فإذا تقرر هذا وقلنا إن بيع السلطان يقتضي إطلاقه البراءة من العيوب , فإن ذلك يشترط فيه أن يكون المشتري عالما بأن السلطان هو الذي باع، أو باع من أمره السلطان بالبيع. فإن لم يعلم ذلك وظن أن البيع واقع ممن لا تنفذ أحكامه، بل هو بيع رجل مال نفسه، فإنه لا يسقط مقاله في العيب، ويكون بالخيار بين أن يتمسك بالمبيع على البراءة من العيوب أو يرده.

وقيل: لا مقال له في العيوب. وهذا يحمل على أن من ذهب إلى هذا اعتقد أنه ادعى ما لا يشبه، لكون بيع السلطان لأنه في غالب العادة إنما يكون في مجمع واحتفال.

وأما لو كان البيع وقع من الورثة لقضاء دين أو إنفاذ وصايا، أو من وصي باع لقضاء دين أو إنفاذ وصية، لا لإنفاق على من في ولايته، فإن المشتري إذا لم يعلم بذلك فإنه لا يسقط حقه في القيام بالعيب، لكون هذا مما قد يخفى عن المشتري حال البائع. بخلاف بيع السلطان الذي قلنا على أحد القولين إنه لا يخفى ذلك. وبيع الوصي تثبت فيه البراءة بشرط أن يبيع لدين أو لإنفاذ وصية.

فأما بيعه لحاجة الورثة، فلاحق ببيع الإنسان مال نفسه لكون الديون والوصايا يجب إنفاذهما، ومن حق أهلها أن يعجل لهم حقهم إن طلبوه. والسلطان والورثة والوصي جاهلون بحال المبيع، وهم مطالبون باستعجال البيع. فحمل بيعهم على البراءة لأجل هذا، بخلاف بيع الإنسان مال نفسه.

ولو باع الورثة بشرط البراءة ولم يعلم المشتري أن البائع منه وارث، لصحت البراءة، لكون الاشتراط ها هنا صادف محلا للحكم فيه، مع إطلاق البراءة من العيوب، فروعي حكم المحل لما ضامه الاشتراط. بخلاف بيع رجل مال نفسه الذي لم يرثه، لكون الاشتراط للبراءة لم يصادف محلا يوجب إطلاق البيع فيه البراءة. وإذا صادف الحكم محله نفذ وإن لم يعرف لمحله. وهذا غير الذي ذكر ابن القاسم (1) من ثبوت البراءة يشبه من تزوج امرأة زوجها غائب، وهذا الزوج لم يعلم بموت الزوج الغائب، فلم يفسح نكاحه حتى ثبت أن الزوج الغائب مات وانقضت عدة الزوجة منه قبل عقد هذا الرجل الثاني نكاحه، فإن النكاح يمضي لما صادف محله وإن جهل في ظاهر الأمر حصول المحل.

وكذلك من قام إلى خامسة في صلاة الظهر عمدا، فإذا به قد فسدت عليه ركعة يجب قضاؤها حتى صارت الركعة المزيدة وقعت في محلها، فإن هذا يجري مجرى واحدا.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٢٨