تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنهم من قال: إن الرقيق يكتم عيبه، ويستره عن سيده، مخافة أن يزهد فيه فيبيعه. فعذر السيد في جهله بعيبه، وصدق في أنه لا يعلم ما به، بخلاف البهائم التي لا تخبر بعيبها.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: أطلق العلماء من أصحابنا وغيرهم ذكر الخلاف في بيع البراءة من غير تعرض لتفصيل العقود. وينبغي أن يلتفت في هذا إلى تقييد في هذا الإطلاق.

فإن من المعاوضات ما يشترط فيه التماثل ولا يجوز فيه الربا والتفاضل، كما قدمناه في كتاب الصرف، وكتاب السلم.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن القرض وما في معناه لا يجوز فيه اشتراط البراءة من العيب, لأن ذلك قد يوقع في اشتراط الزيادة والتفاضل. لأن من أقرض عبدا فشرط التبري من سائر عيوبه التي يعلمها واشترط في القضاء عبدا سليما، فإن هذا نوع من اشتراط الزيادة في السلف، وذلك لا يجوز.

وقد قدمنا في كتاب السلم ما يجوز أن يعجل من الديون الثابتة في الذمة سلما أو قرضا قبل أجله، وما لا يجوز من ذلك. ومنها ما يمنع فيه التعجيل المشترط فيه الزيادة أو النقص.

والتبري من العيب يتضمن شكا في الزيادة أو نقصانا، والشك في حصول الربا في العقود كتيقن حصول ذلك.

وهكذا جرى الأمر في بياعات العروض التي لا يجوز التفاضل فيها، كبيع صاع قمح بصاع قمح على أن لا قيام بعيب في أحدهما، فإن ذلك يمنع، إذا أجزنا البراءة في عيوب الطعام والعروض. والشك فيه من حصول التفاضل بين الطعامين، والشك في حصول التفاضل كالتيقن به. ونحن وإن كنا نجيز صاع قمح طيب بصاع قمح دنيء، ولا نلتفت في أحكام الربا إلى اختلاف الصفات، وإنما نلتفت إلى اختلاف المقدار، فإن هذا إنما يصح مع اطلاع المتعاقدين على صفات الطعامين، فيكون ذلك تراضيا بالعيب.

وأما إذا وقع الاشتراط في أن لا رد بعيب، فإن ذلك يصير العقد إلى المماكسة والقصد إلى التفاضل في الصفات، على حسب ما كنا قدمناه في أحكام المراطلة في مسائل صورناها هناك.

وإن استوى وزن الذهبين، فهذا عندي مما ينظر فيه مع القول بجواز البراءة في عيوب الطعام والعروض. لكن بيع البراءة غرر، وينضاف إليه ها هنا منع آخر وهو ما أشرنا إليه في أحكام الربا.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:

أما اختلاف حال المتبايعين فإنه لم يثبته مالك مرة، بل ساوى بين سائر البائغين في جواز التبري من العيوب وفي المنع من ذلك. وقد كنا قدمنا أن

بعض المتأخرين ينكر الخلاف عنه في كون. بيع السطان بيع براءة. واعتل الشيخ أبو القاسم بن الكاتب بكونه لم يختلف قوله في بيع السلطان خاصة، واختلف قوله فيما سواه، على حسب ما حكيناه، لأجل أن بيع السلطان على المفلس أو لقضاء ديون من تركة ميت حكم منه بالبيع، وبيع البراءة مختلف فيه كما قدمناه، والسطان إذا حكم بأحد أقوال العلماء لم ترد قضيته عند من يرى خلاف رأيه فيما حكم به.

وهذا الذي قاله الشيخ أبو القاسم فيه نظر عندي, لأن السلطان لم يتعرض في البيع إلى خلاف أو وفاق، ولا قصد إلى حكم بإنفاذ بيع على البراءة فينفذ حكمه، وإنما فعل في نفسه فعلا أوجبه الشرع عليه من قضاء ديون من تركة ميت أو بيع مال مفلس، ولم يقصد إلى إمضاء الحكم بجواز البراءة وإنفاذها، وإنما المقصود إيصال أهل الحقوق إلى حقوقهم. فلم يجر هذا مجرى ما قصد إلى الحكم به. وسنبسط القول في أحكام القضاء بما اختلف الناس فيه في موضعه إن شاء الله تعالى.

وبعض أشياخنا يثبت الخلاف في بيع البراءة، ولو كان السلطان هو الذي تولى البيع، ويتعلق بقول سحنون: إن مالكا قال، في القديم، بيع السلطان وبيع الميراث لا قيام فيه بعيب ولا بعهدة، على حسب ما ذكره سحنون في هذه الرواية. فقدله: كان يقول في القديم إشارة منه إلى أنه له قول آخر، وإن كان البيع بيع السلطان. فقال ابن القاسم: إذا بيع عبد على مفلس فللمشتري أن يرده بالعيب. وهذا أيضا إثبات الخلاف في بيع السلطان.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٢٧