تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد تكلمنا على ما قيل في هذا في كتاب الصلاة من كتابنا هذا.

وقد اختلف المذهب في اشتراط البراءة إذا باع الإنسان مال نفسه، هل يسوغ له ذلك، و (2) إن لم يختبر المبيع، وإنما باعه بحدثان ملكه له، أو لا يسوغ له ذلك إلا بعد اختبار المبيع؟ فالمشهور أنه لا ينفعه التبري من عيب إلا بعد أن يكون مختبرا للمبيع. فقال في التجار يقومون بالرقيق فيبيعونه بالبراءة، ولم تطل إقامة الرقيق عندهم،: هؤلاء يريدون أن يذهبوا بأموال الناس باطلا،

فلا تنفعهم البراءة. وقيل: تجوز البراءة في هذا. ذهب إلى هذا عبد الملك وغيره. وإحتجوا يكون السلطان والورثة بيعهم بيع براءة وهم (1) يختبروا البيع.

وقد يجاب عن هذا بما كنا قدمنا الإشارة إليه من كون السلطان إنما يبيع لدين يقضى يجب تعجيله. والسلطان إن كان لم يختبر المبيع، فإن الضرورة لقضاء الديون تقتضي جواز بيعه بالبراءة. وكذلك الوارث إذا باع لقضاء دين أو إنفاذ وصية. والذي باع مال نفسه لم تدع ضرورة مراعاة حق غيره إلى استعجال البيع، فمنع من البراءة قبل الإختبار للمبيع.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال: قد قدمنا أن بعض المتأخرين أنكر اختلاف قول مالك في جواز البراءة من العيب اليسير، وحمل اختلاف قوله على العيب الكثير. ومنهم من يحكي عنه الخلاف مطلقا. وقال المغيرة إنما تجوز البراءة في العيب اليسير، كالثلث فأقل، فأما إذا زاد على الثلث، فلا تجوز البراءة. فكأن من أجاز التبري على الإطلاق يعتل بأن سبب الجواز كون البائع والمبتاع استويا في الجهل بالمبيع، وما استويا في العلم أو الجهل به جاز العقد عليه واتبع الغرر فيه. وهذا يقتضي جواز البراءة في العيب الكثير واليسير.

ومن يمنع البراءة في العيب الكثير، يعتل بأن الأصل المنع من بيع البراءة لأجل ما فيه من الغرر، على حسب ما بيناه فيما تقدم، والغرر إذا خف وكان يسيرا غير مقصود، لم يمنع، وإذا كان كثيرا مقصودا عظم التخاطر فيه واتضح الغرر، فوجب أن يمنع. والعيب الكثير مما يعظم التخاطر بخلاف اليسير.

ومن هذا بيع الجارية الرائعة بشرط البراءة من العمل، وليس بها حمل ظاهر، فإن المذهب المنع من ذلك. واحتج صاحب المذهب بعظم الغرر في هذا الاشتراط، وأن العمل يحط من ثمنها كثيرا، ومقدارا عظيما، فوجب أن يمنع هذا التبري من العمل العظيم (2) الغرر فيه.

وأجاز التبري من حمل الرائعة الشافعي. وكأن الشافعي لم يفرق بين سائر العيوب والحمل من جملتها. وكأن مالكأرضي الله عنه وأصحابه يرون أن ما سوى العمل من العيوب، الظاهر السلامة منها، والبائع يخبر ألا عيب بالمبيع، فصار الظن بالسلامة من هذه العيوب يرفع الغرر. بخلاف العمل في الرائعة الذي لا علم عند واطئها بالسلامة منه، فيقول على خبره، ولا الغالب أيضا، والظاهر من الحال يقتضي السلامة منه.

وأما التبري من حمل أمة من الوخش، فإن ذلك جائز عندنا، لكون العمل لا ينقص من ثمنها مقدارا كثيرا، فلا يقتضي اشتراط التبري منه غررا، فجاز ذلك.

وإذا منعنا التبري منه في الأمة الرائعة، فإن البيع إذا عقد على ذلك، سقط الشرط. وهل يسري ذك إلى فساد العقد أم لا؟ وهل يقع الضمان بالقبض أم لا؟ هذا يبسط في موضعه إن شاء الله تعالى.

لكن حكى ابن حبيب عن مالك أن من باع أمة وهو مقر بوطئها، وشرط التبري من العمل أن الشرط وإن بطل، فإنه لا يبطل العقد. وأنكر الشيخ أبو محمد ابن أبي زيد هذه الرواية لما رءاه شرطا متفقا على فساده. وقال بعض المتأخرين يلزم على هذه الرواية أن يجوز التبري من حمل الأمة الرائعة. كما قاله الشافعي، وينفذ العقد على ذلك ولا يفسد.

فمن يذهب إلى إمضاء العقد يقدر هذا كأحد بياعات الشروط التي يسقط الشرط ويصح البيع. وقد كنا تكلمنا على أحكام الشروط الفاسدة في كتاب البيوع الفاسدة، وأشرنا إلى ما يعلم منه وجه هذا المذهب.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٢٩