ولو تراضى المتبايعان بالفسخ وعقداه على أنفسهما، لكان ذلك كحكم الحاكم عليها أيضا.
فإن لم يقع حكم بالفسخ ولا تراض به لكن قال المشتري بعد ثبوت العيب: إني فسخت البيع. فإن هذا مما اختلف الناس فيه.
فذكر ابن القصار من أصحابنا أن مذهب مالك والشافعي وقوع الفسخ بمجرد قول المشتري، وإن لم يقع، حكم به.
وذهب أبو حنيفة إلى ما قالاه في هذا إذا كان المبيع لم يقبضه المشتري. فأما إذا كان قد قبضه المشتري فإنه لا يفسخ البيع إلا بحكم حاكم أو تراض بالفسخ. وعمدته في هذا أن الموجب للرد ها هنا إنما (1) اختلف في حصوله، وربما اتفق على حصوله، واتفق في كونه عيبا حتى يقول قوم هذا عيب ويقول آخرون ليس بعيب. وإذا كان الأمر كذلك، صار ذلك كالمسائل الاجتهادية لا
يثبت الحكم فيها إلا بإنفاذ حاكم له، يرفع بحكمه هذا الاختلاف الذي أشرنا إليه.
وأصحابنا وأصحاب الشافعي يناقضونه في هذا الذي قال بتسليمه وقوع الفسخ بقول المشتري: فسخت البيع، إذا كان لم يقبض المبيع. وما اعتل به يتصور قبل القبض وبعد القبض، وكون المبيع مستقرا بعد القبض استقرارا متمكنا.
وقد كثر التنازع في مسائل خلافية، هل يفتقر إلى حكم أم لا؟ كما اختلف عندنا فيمن مثل بعبده، هل يفتقر عتق العبد إلى حكم أم لا؟ إلى غير ذلك من المسائل.
ويقول أصحاب أبي حنيفة في مسئلتنا هذه يفتقر الفسخ بالعيب إلى حكم.
كتخيير الأمة المعتقة تحت عبد لأجل ما طرأ عليها من عيب في هذا النكاح، مع اختلاف الناس في اشتراط العبودية في الزوج، أو إثبات تخييرها ولو كان الزوج حرا.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: إذا وقف البائع المشتري على عيب، عين موضعه، وأراه إياه، وأعلم جنسه ومقداره ظاهرا وباطنا، وعقد البيع على ذلك، فلا إشك الذي كون هذا رضي به. وأما إذا لم يكن الأمر كذلك ولكن اقتصر في رؤية العيب على مشاهدة لا تقتضي الإحاطة به، أو تبرأ إليه منه بخبر ولفظ وفيه احتمال، فإنه إذا باع منه دابة ولها دبرة، فأراه البائع الدبرة، ولم يحط المشتري علما بباطنها، وظهر من باطنها ما لم ينب عنه ظاهرها، فإن البائع إذا كان عالما بذلك، ولم يبينه، كان للمشتري الرد به، لكون البائع كالمدلس، ومن دلس بعيب رد عليه به. وإن كان البائع لا يعلم باطنها وإنما يعلم منها ما يعلم المشتري، فإنه يجري ذلك على حكم العيب الباطن في الخشب وما في معناها. وقد كنا قدمنا اختلاف قول مالك فيها، وإن المشهور من المذهب ألا رد بذلك.
وهكذا ذكر ابن حبيب عن أصحاب مالك في هذا الوجه إذا استوى علم البائع والمشتري بباطن هذه الدبرة.
وعارضه بعض المتأخرين فناقضه بقوله في الخشب إنما لا يرد بالعيب الباطن إذا كان ذلك من أصل الخلقة، أو حدث بعد الخلقة، لكون ما حدث بعد الخلقة قد يعلمه قوم دون قوم (أم لا) (1)؟ هذا إذا اقتصر في التبري من هذا العيب على النظر.
وأما إن اقتصر فيه على الخبر مجملا، مثل أن يقول البائع: أبرأ إليك من دبرة بظهر هذه الدابة. والدبر يختلف، فإن مذهب ابن القاسم صحة هذا البيع، وكون البراءة لا تتضمن إلا اليسير من هذا العيب.
وذهب أشهب أن البيع فاسد.
وكذلك لو برىء من كي بالعبد، فإن الخلاف فيه على حسب ما ذكرناه.
ومقتضى هذا أن تكون البراءة من الإباق مجملا تقتضي فساد البيع على رأي أشهب. لكن ذكر ابن المواز عن أشهب أنه وافق ابن القاسم في الإباق، وأن البيع لا يفسد ويبرأ من الإباق اليسير. فإن كان إلى موضع بعيد أو أبق مرتين، فإن المشتري له الرد. قال ابن المواز: ومذهب ابن القاسم أحب إلينا، وقد أضعف أشهب جوابه لما قال في الإباق.
وأشار بعض الأشياخ إلى أن هذا اختلاف من قول أشهب. وكان بعض أشياخي يرى أن هذا اللفظ إن تفاهما منه العيب اليسير، فإن البيع لا يفسد ويبرأ البائع من اليسير.