2 - وما الذي يعد منه علما على الرضا بالعيب؟
3 - وما صفة الرضا بالعيب؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
المبيع ها هنا ثلاثة أقسام: عقار وثياب وحيوان.
فأما الدور وما في معناها، فإن المشتري لا يقضى عليه بإخلائها والانتقال عنها، وهو يخاصمه في العيب, لأن ذلك غلة وخراج، والخراج بالضمان، وضمانها منه.
وأما الثياب، فليس له أن يلبسها, لكون اللباس نقصا من أجزائها, وليس له إتلاف بعض المبيع وهو يحاول رده بالعيب.
وأما الحيوان، فإن كانت جارية، فليس له أن يطأها, لأن الوطء إنما يباح فيما يستقر ملكه استقرارا مؤبدا. (في هذا) (1) والمشتري إذا وطئها وهو يحاول نقض ملكه فيها، ورد البيع من أصله، لم يصغ (2) له ذلك احتياطا للفروج.
وأما استخدام العبد وركوب الدابة ففيه قولان. المشهور أنه يمنع من ذلك. وذهب ابن حبيب إلى أنه لا يمنع منه قياسا على العقار، ولأن الخراج له والنفقة عليه، فلا يمنع من الإنتفاع بالمبيع.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: أما كل فعل لا يقع في العادة إلا رضي من المشتري بالتمسك بالمبيع، فإنه إذا ظهر ذلك منه، لم يكن له رد البيع. وما كان من التصرف مشكلا، لم يقض عليه، بكونه علما على الرضا. وهذا هو الأصل المعتبر في أمثال هذا. وقد كنا قدمنا ذكره مبسوطا في كتاب بيع الخيار.
فأما اختلاف قول مالك رضي الله عنه في تصرف المضطر، فإن ابن القاسم روى عنه أن المسافر إذا اطلع على عيب بالدابة فركبها إلى أن أعادها وقدم بها
على صاحبها، فإن ذلك لا يعد رضي منه. وروى أشهب أن ذلك لا (1) يعد رضي منه.
فقدر ابن القاسم أن المضطر ها هنا للتصرف علما كالمكره على التصرف.
والمكره على الفعل لا يعتقد فيه أنه مريد الفعل إرادة رضا به كإرادة المختار.
وقدر أشهب أنه لما كان اعتقاده ردها ونقض البيع، لم يعذر بركوبه ولا صار كالمكره عليه لقدرته على ركوب غيرها، أو التوصل بأمر سواها، فكان ذلك رضي منه.
ولو أن المشتري اطلع على عيب ورب السلعة غائب ببلد آخر، وأشهد بالعيب وباعها، فإن في الموازية أن ذلك يسقط حقه في العيب. فقال ابن المواز إلا أن يكون ببلد لا سلطان فيه، أو متناول (2) بعيد، فلا يسقط حقه. وقدره معذورا بهذا لما صار مغلوبا على ما فعل.
ولو أن العيب لم يثبت ولكن اعترف البائع به، وهو مما لا يشاهد، فإن المشتري بالخيار بين أن يصدقه فيرد البيع بالعيب، أو يكذبه ويتهمه بأن يكون قال الكذب ندما على البيع، ويبقى ما أقر به موقوفا حتى يظهر صحة ما قال، فيكون للمشتري حينئذ الرد.
وذكر في الموازية أنه إذا رد المشتري إقراره بالعيب ولم يقبله منه ثم أراد أن يرجع إلى قبول ذلك منه ويرد المبيع، فإنه لا يمكن من ذلك إذا لم يثبت العيب، إلا أن يكون البائع متماديا على إقراره بالعيب.
وهذا الذي ذكره ابن المواز أجراه مجرى من أقر لإنسان بدين فكذبه في إقراره له، فإن هذا المكذب للإقرار إن رجع إلى تصديق المقر، قبل أن يرجع عن إقراره، فإنه يؤخذ بمقتضى إقراره. ورأى أنه قد تعلق للمقر بالعيب حق في إسقاط الرجوع عليه، فلا يمكن المشتري من الرجوع فيما أسقطه إلا أن يتمادى
هذا على الإقرار، فيصير كالمستأنف إقرارا بحق.
وذكر عن أشهب أن هذا العيب الذي أقر به البائع لو قامت بينة به، فإن المشتري لا يسقط تخييره بين الاستمساك بالبيع أو رده، إلا أن يوقفه القاضي ويقضي عليه بالواجب.
وقال بعض الأشياخ: إن البائع لو قال: إن عبدي أبق، فلم يصدقه المشتري، فأبق العبد فمات، فإن للمشتري ارتجاع الثمن، لكون البائع مقرا على نفسه أنه لا يستحق المال الذي أخذ. وهذا الذي قاله يصح إذا تمادى البائع مقرا على نفسه إقراره، ورجع المشتري إلى تصديقه على حسب ما كنا أشرنا إليه.
وإذا تقرر هذا فاعلم أن العيب أيضا إذا وجب للمشتري الرد به وقضى له القاضي بذلك ونفذ الحكم برد المبيع، فإنه لا إشك الذي أن البيع انفسخ.