ولا يحسن الخلاف في هذا كما لو صرح به. وإن تفاهما إلزام البيع المشتري، على أي حال كان العيب من عظم وصغر يختلف فيه الثمن اختلافا كثيرا، فإن هذا يفسد به البيع. ولا يحسن أيضا الخلاف في هذا. فهذا حكم الاقتصار من عيب على نظر أو خبر.
والأظهر في الروايات جواز الاقتصار فيه على خبر يتضمن حقيقة. وإن
كان قد وقع في بعض الروايات ما يوهم جواز الاشتراط للنظر.
وقد ذكر في الآثار أنه لا يبرأ بقوله: أبيعك لحما على بارئة (1) من العيوب. قال النخعي: لا يبرأ حتى يضع على العيب يده. والتحقيق في هذا أن ينظر إلى الخبر عن العيب. فإن كان لا يقوم مقام مشاهدة، ولا يقتضي الإحاطة بالعيب، بل كون الاقتصار على الخبر ركوبا للغدر، فإن ذلك لا يجوز الاقتصار عليه مع القدرة على المشاهدة. وإن كان خبرا يقوم مقام العيان، فهذا لا يمنع من الاقتصار عليه. وسنستقصي حكم الاقتصار على الخبر عن المبيع مع إمكان النظر من غير ضرورة في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر في الموازية أن العيب لا يبرأ منه البائع، ولو ذكره، إلا أن يقول: هو بالمبيع. وقدر أنه إذا قال: أبيعك هذه الدابة وأبرأ إليك من كذا.
ولم يقل: إنه بها، فإن ذلك لا يجزي، لما يمكن من اعتقاد المشتري أن هذا القول أورده البائع على جهة المبالغة والاحتياط، وإن لم يكن بها هذا العيب.
ورأى بعض أشياخنا أن المفهوم من هذا كون هذا العيب بها، فتصح البراءة، وإن لم يقل إنه بها.
وكذلك لو ذكر عيوبا كثيرة بالمبيع، منها ما ليس بالمبيع، فإنه لا يبرأ البائع بذلك لكونه لفف العيوب الحاصلة، والمشتري قد يعتقد أن بالمبيع من العيب من جملة ما لفف، وهو ليس بالمبيع، بل المبيع سالم منه. ولهذا قال ابن المواز لا يبرأ إلا أن يذكر العيب مفردا، لا يخلطه بغيره، ويقول: إنه به.
وإلى هذا أشار ابن حبيب أيضا. ولكنه.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: ويجوز البيع بشرط البراءة في الرقيق دون غيره، ويبرأ من كل عيب لم يعلمه، ولا يبرأ مما علمه فكتمه.
قال الإمام رحمه الله يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة، منها أن يقال:
1 - هل يجوز اشتراط البراءة من العيوب في عقد البيع أم لا؟
2 - وهل يشترط في جوازها أن يكون البائع غير عالم بما تبرأ منه أم لا؟
3 - وهل تجوز في سائر المتملكات أم لا؟
4 - وهل تجوز في سائر العقود أم لا؟
5 - وهل تجوز في كل العيوب أم لا؟
6 - وما حكم التداعي في البراءة؟
7 - وما الحكم في الأيمان إذا طلبت (1)؟.
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: اختلف الناس في جواز البيع على البراءة على الجملة، فمنعه قوم وأجازه آخرون.
فالمشهور من مذهبنا جوازها على الجملة. وهو مذهب أبي حنيفة واحد أقوال الشافعي. لأن من أصحاب الشافعي من يحكي ثلاثة أقوال: المنع على الإطلاق، والجواز على الإطلاق، والتفرقة بين ما علمه البائع وما لم يعلمه في البراءة في بيع الحيوان.
وعندنا رواية عن مالك في منع بيع البراءة مطلقا من غير اعتبار يكون البائع عالما بما يبرأ منه أو غير عالم. ومن المتأخرين من يحكي هذه الرواية عن مالك حكايته مقيدة. فيقول: لم يختلف قوله في جواز البراءة من العيب اليسير، ولا في ثبوت البراءة في بيع السلطان، ولا في سقوط عهدة الثلاث. والسنة في البيع الثابت (بياض) (2).
وسبب هذا الاختلاف أن الشرع ورد بالنهي عن بيع الغرر، واشتراط البائع على المشتري ألا يرد عليه بعيب يطلع عليه يتضمن عقد الشراء على مبيع غير معلوم ولا محاط به. وبيع ما لا تعلم حقيقته لا يختلف في منعه، كبيع ما في
يده أو ما في هذه من حيتان. لكون المشتري دخل على أن العبد المشترى إن وجده أعمى أصم أبكم، لزمه الشراء بالثمن الذي بذل. وإن وجده على صفة كمال سالما من العيوب، كان ذلك له. وهذا واضح ما فيه من الخطر والغرر.