اتفق المتبايعان هو الذي تسند الأحكام إليه (1).
فإذا كان العيب المشكوك فيه منفردا، استصحبنا حال انعقاد البيع، فلا يصدق المشتري في حله ورده.
وإذا وجب رد البيع بالعيب القديم، استصحبنا براءة ذمة المشتري من غرامة، فيكون هو المصدق فيما ينفيها عنه.
ولو كان بالمبيع ثلاثة عيوب: عيب ثبت قدمه عند البائع، وعيب ثبت حدوثه عند المشتري، وعيب شك فيه هل هو حدث عند البائع أو عند المشتري، لبدأنا باستعلام ما عند المشتري.
فإن اختار الرد بالعيب القديم، فقد انحل البيع. فيكون القول قوله في العيب المشكوك فيه: أنه لم يحدث عندي، استصحابا لكونه بريء الذمة من الغرامة، فيرد العبد ولا يرد معه قيمة نقص.
وإن اختار المشتري التمسك بالمبيع وأخذ قيمة العيب كان القول قول البائع في العيب المشكوك فيه: أنه لم يحدث عندي، استصحابا أيضا لبراءة ذمته من غرامة. والمشتري لم يثبت له عليه إلا غرامة عيب واحد، والآخر الذي هو مشكوك فيه لم يثبت ما يوجب على البائع غرامته، فلهذا صدق فيه.
وإذا ادعى المشتري على أنه دلس عليه بالعيب وقد اشترى ثوبا فقطعه أو أحدث فيه ما يوجب رد قيمة النقص مما يسقط عنه لو ثبت تدليس البائع، فإن القول قول البائع أنه لم يدلس، أو أنه أنسي ذكر العيب عند عقد البيع، لكون الأصل عدم علمه. فيستصحب هذا الأصل على ما قررناه.
لكن اشترط في الموازية في (2) استحلاف البائع على هذا لأنه لا يقضى للمشتري إلا إذا اختار أن يرد المبيع بالعيب، فيلزمه رد ما نقص، فيحلف البائع
على نفي التدليس لتثبت له غرامة. وأما إن أراد المشتري التمسك وأخذ قيمة العيب، يجب (1) على البائع، سواء دلس أو لم يدلس. فلا فائدة في استحلافه على أنه لم يدلس، والأيمان إنما تتعلق فيما يفيد المدعي. وهذا مثل ما يقال فيمن ملك زوجته، فقضت بالثلاث، فناكرها في عدد الطلاق وزعم أنه أراد تمليكها طلقة واحدة، فإن القول قوله مع يمينه، ولكن (2) يستعجل استحلافه عند المناكرة، إلا إذا أراد الرجعة وإستباحة الزوجة فيمنع من ذلك حتى يحلف، على ما سنبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: إذا ثبت قدم العيب، لم يحلف المشتري إذا رد لثبوت ما يستحلف عليه وهو قدم العيب. وقد قدمنا فيما سلف أن العيب القديم يوجب الرد ولو كان عيبا ظاهرا. قال ابن المواز: طال الزمان أو لم يطل. وذكرنا أنه لا يمين. وإن القول الآخر استحلاف المشتري في هذا العيب إذا كان ظاهرا.
وأما العيب المشكوك فيه، فإنه إن كان خفيا، استحلف البائع على العلم، ويكتفى بذلك, لأن قصارى ما فيه أنه إذا كان ظاهرا، فإن البائع عالم به. وهو إذا قال في يمينه: إني لم أعلم به، فقد كذب وفجر في يمينه. والأيمان إنما وضعت لزجر الفاجر عن يمينه الكاذبة. وقال ابن القاسم: بل يحلف في العيب الظاهر على البت, لأن الأظهر أن البائع لا يخفى عنه العيب الظاهر، وإذا كان لا يخفى عنه، حلف على القطع: أنه لم يكن عنده.
والأصل في هذا أن كل من استحلف على إثبات فعل فعله هو أو فعله غيره، فإنه يحلف على البت والقطع. لكونه يعلم فعل نفسه، ويعلم فعل غيره إذا شاهده ورآه. وكل من استحلف على نفي فعل، فإن كان فعل نفسه حلف على البت لأنه يعلم ما فعل وما ترك. وإن استحلف على أن غيره لم يفعل، حلف على العلم. لأنه لا يمكن في غالب الأمران يقطع على غيره أنه لم يفعل
كذا إلا في صور نادرة بتقييد وتحديد.
وذهب ابن نافع في المدونة إلى أنه يحلف على البت. ولم يفترق بين عيب خفي أو ظاهر. واحتج بأنه لو ثبت قدم الغيب والبائع غير عالم به، لم يسقط حق المشتري في الرد كون البائع لم يعلم بالعيب. وإذا كان الأمر كذلك، فلا يجزيه أيضا أن يقتصر على نفي علمه بالعيب لما قدمناه من كون عدم علمه بالعيب لا عذر له به إذا قامت البينة.