تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الاحتجاج يجاب عنه بأن البينة إذا ثبتت عدم (1) العيب فقد ثبت السبب الموجب للرد ووجب حل البيع المنعقد.

وإذا لم يثبت العيب وكان مشكوكا فيه، لم يجب حل البيع المنعقد يكون البائع غير عالم بالعيب. فهذا وجه هذه الأقوال الثلاثة في العيب المشكوك فيه، تحليف البائع على البت في الوجهين، أو على العلم في الوجهين، أو تفرقة ابن القاسم بينهما.

ولو نكل البائع عن اليمين فإن المشتري يحلف أن ذلك لم يكن عنده ويرد البيع.

واختلف قول ابن القاسم في صفة يمينه. فقال مرة يحلف على حسب ما كان يحلف البائع في اليمين التي ردها عليه إن كان العيب ظاهرا، حلف على البت، وإن كان خفيا، حلف على العلم. وهذا يشير إلى اختلاف قوله في صفة يمين البائع أيضا. وأنه قد يرى تحليف البائع في الوجهين على أنه لم يعلم العيب على حسب ما قاله ها هنا في المشتري. ويكون هذا موافقة منه لما حكيناه عن أشهب أنه يفرق بين البائع والمشتري، ولا يقول في البائع أنه يحلف في الوجهين على العلم لأجل أن العيب من جهته، ويمكن أن يكون دلس به، فكان العمل عليه بأن يحلف على البت أولى من أن يحمل بذلك على المشتري.

فقد قدمنا نحن ما يشير إلى هذه التفرقة لما اعتذرنا عن قول أهل المذهب إن المشتري إذا حدث عنده عيب يسير لا يغرمه، أن البائع يرد عليه المبيع بمثل هذا العيب لما كان العيب من جهة البائع، ويتهم أن يكون علم به ولم يذكره.

وكذلك أيضا أشرنا إلى هذا المعنى في منشأ الخلاف بين مالك والشافعي في المبيع إذا حدث عند المشتري به عيب فاطلع على عيب قديم، وإن الشافعي يرى ذلك فوتا يمنع من الرد على البائع لكون البائع لا يلزمه أن يرد عليه إلا ما باع بعينه، على حسب ما كان عليه. وأن مالكا يرى أيضا أن المشتري لا يلزمه قبول ما لم يدخل عليه، فلما تقابل الأمران، غلب مالك رضي الله عنه جنبة المشتري لكونه لم يظلم بكونه مدلسا ولا جوز ذلك عليه.

وذهب ابن نافع إلى أن المشتري يحلف على البت طردا لما كنا حكيناه عنه وذكرنا اعتلاله فيه.

وإذا نكل المشتري أيضا عن هذه اليمين بعد نكول البائع، بقي البيع منعقدا على حسب ما كان عليه. هذا المعروف من المذهب. وفي المدونة عن ابن نافع في هذا اللفظ قد يقتضي ظاهره تمكين المشتري بعد هذا النكول من الرجوع إلى اليمين لأنه ذكر في المدنية أن المشتري إذا نكل لزم البيع. وظاهر هذا يقتضي أنه لا رجوع له إلى اليمين بعد هذا النكول. وقال ابن نافع: لا يرد المشتري بالعيب إلا حتى (1) يحلف. وقد يوهم ظاهر هذا أنه يمكن من الرجوع إلى اليمين بعد النكول عنها. ومال بعض المتأخرين إلى إثبات هذا القول اختلافا في المذهب.

وهو لفظ فيه إشكال. لكن أصل المذهب يقتضي أن الناكل لا يمكن من الرجوع إلى اليمين بعد أن نكل عنها إذا تعلق لخصمه بنكوله حق ومنفعة. ولهذا لا يمكن البائع لو نكل عن اليمين في هذا وردها على المشتري من الرجوع عن ذلك قبل أن يحلف المشتري. لكون المشتري قد استحق بهذا النكول أن يحلف

ويرد البيع. وهاهنا إذا نكل البائع وتعلق للمشتري حق بنكوله فلم يحلف، بقي البيع على ما كان عليه منعقدا وبقي موقوفا على معاودة المشتري إلى اليمين التي نكل عنها. لكن أيضا قد يتعلق للبائع حق في إقرار البيع على ما هو عليه. وهذا يستقصى في أحكام الأيمان والنكول في موضعه إن شاء الله تعالى.

وذكر ابن المواز أن السلعة إذا باعها رجل من آخر ثم اشتراها بائعها ممن اشتراها منه. فلما صارت في يديه وعادت إليه، ظهر فيها عيب مشكوك فيه، أن البائع الأول يحلف ويبرأ من هذا العيب. فإن نكل حلف المشتري ورد البيع.

ومعنى رده ها هنا أن يسترد منه بقية الثمن إذا كان مشتريها قد باعها من بائعها بأقل مما اشتراها منه.

وأنت إذا تأملت ما أصلنا لك من كون البيع المنعقد لا ينحل بالشك. والقول فيه قول البائع استصحابا لحال الانعقاد، وأن من كان ذمته برية من غرامة، فإنه لا يغرم بالشك، علمت ما يتفرع من وجوه هذه المسألة، وحكم كل قسم منها، وأن زيدا إذا باع من عمرو سلعة بمائة دينار، ثم رجع زيد فاشتراها من عمرو بثمانين دينارا، فظهر فيها عيب مشكوك فيه وهي بيد زيد، فإن هذا العيب إذا شك فيه هل كان عند زيد قبل أن يبيعها من عمرو أو حدث عند عمرو قبل أن يبيعها من زيد، فإن عمرا لا يرد عليه بالشك هل كان هذا العيب عنده أم لا؟ وكذلك لا يطالب عمرو وزيدا بأن يرد عليه عشرين دينارا بقية الثمن بالشك، هل كان العيب عند زيد قبل أن يبيعها من عمرو، فيكون من حق عمرو أن يردها على زيد بالعيب، وهي قد رجعت إلى يد زيد فيطالبه عمرو ببقية الثمن؟ فإذا تبعت هذا الأصل، علمت هذا الشك لو شك في هذا العيب، هل كان عند زيد قبل أن يبيع من عمرو، أو حدث عنده بعد أن اشترى من عمرو أو حدث عند عمرو وتعلق اليمين بهما جميعا، إذا طلب أحدهما حل البيع على مقتضى دعواه، وطلب الآخر إكمال الثمن على مقتضى دعواه؟ وقد تقدم الكلام على من وجد عيبا بمكيل أو موزون وقد أفاته وأتلف عينه. وذكر الخلاف فيه هل يرد المثل أو يخيره بين رده أو يأخذ قيمة العيب. وذكر أن قيمة العيب ينسب

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٢١