وهذه مسائل كما ترى تارة يقوى مستند الشك، وتارة يضعف فيسقط اليمين. ومن احتاط للأقدار ألا ستهضم (1) بالاستحلاف بالتجويز والشك أسقط اليمين. ومن نظر لصيانة الأموال على أربابها أوجب اليمين. ألا ترى أن رجلا لو اشترى عبدا فزنى عنده أو أبق، وحقق الدعوى على بائع العبد، أن ذلك كان عنده لم يعلم به حين العقد المشتري، وإنما استفاد علمه الآن وثبت أن العبد أبق عند المشتري أو زنى، فإن البائع يحلف ها هنا من غير خلاف لوجود العيب المشاهد. وهو سبب تستند إليه الدعوى وقارنه تحقيق الدعوى على البائع. وأما
لو لم يأبق عند المشتري ولا زنى، ولا حقق الدعوى على البائع بأن ذلك كان عنده، ولا أسند هذه الدعوى أن ذلك كان عند البائع إلى خبر مخبر، فإنه ها هنا لا يستحلف البائع بغير خلاف، إذ هذا التجويز لا مستند له أصلا وهو مما يتكرر ويتعدد أجناسه، فسقطت لما فيها من الإضرار بالبائعين مع كونها لا مستند لها.
ولو أنه قال: أخبرني مخبر بهذا أنه كان عندك هذا العيب، ولم يدع المشتري أنه رآه منه وهو عنده ولا حدث عند المشتري، ولكن إنما عول في الدعوى على خبر مخبر، فإن هذا يوجب استحلاف البائع على أصل ابن القاسم، ولا يوجب استحلافه على أصل أشهب على حسب ما اختلف ابن القاسم وأشهب في المشتري إذا قام بعيب، فقال البائع للمشتري: تحلف لي أنك ما رأيته، أو ما رضيته، أو ما سوقت بالمبيع مع علمك بالعيب. فإن ابن القاسم قال في هذا: لا يلزم المشتري يمينا، إلا أن يزعم البائع أن مخبرا أخبره عن المشتري بهذا، فيحلف المشتري حينئذ على هذا. وذكر ابن أبي زمنين عن مشائخه زيادة شرط آخر وهو أن يحلف البائع: لقد أخبره مخبر. وأسقط أشهب اليمين في هذا, ولو زعم البائع أن مخبرا أخبره.
فكأن ابن القاسم رأى أنه إذا لم تستند هذه الدعوى إلى قطع ولا إلى ظن من ناحية الأخبار، صارت ضربا من التجويز الذي لا مستند له ولم يلزم به يمين. فإذا ذكر أن مخبرا أخبره، صار للدعوى مستند وهو ظن المدعي، فكان لهذا التجويز تأثير لاستناده إلى ظن.
ومن اشترط من المشائخ الذين أشرنا إليهم استحلاف البائع أن مخبرا أخبره أراد تقوية الظن لئلا يكون البائع كذب في قوله: أخبرني مخبر صدق.
فلو سمى المخبر وأحال على رجل بعينه، لاستغنى عن هذا اليمين.
وبالجملة إن هذا اختلاف في حال، هل للأخبار والمخبر ها هنا شبهة ولطخ يستند إليه هذا الشك أم لا؟
ولو ذكر أن المخبرين جماعة يقع له العلم بخبرهم حتى يكون من حق
المشتري أن يرد اليمين على البائع الذي أدعى أن المشتري رضي بالعيب.
فتعلقت اليمين ها هنا على من ردها على البائع الذي يحاول استحلافه على هذه الدعوى.
ولو ثبت إباق العبد عند المشتري ولم يثبت أنه كان عند البائع، ولكن المشتري استدل بهذا أنه ما كان عنده إلا وكان عند البائع، فإن في تمكينه من تحليف البائع اختلافا. وهو أيضا راجح إلى ما قلناه.
فمن رأى أن حصول العيب عند المشتري وثبوت ذلك مستند لهذا التجويز، مكن المشتري من استحلاف البائع. ومن لم ير ذلك مستندا اقتصر على تجويز المشتري في دعواه على البائع، لم يستحلف البائع قياسا على ما قدمنا في مثل هذا.
ولو كان الإباق لم يثبته كونه عند المشتري ولا عند البائع، ولكن المشتري زعم أنه كان عنده، واستدل بذلك على كونه كان عند البائع، لكان أيضا في صفة استحلاف البائع خلاف. وهذا القسم دون الذي قبله, لأن السبب الذي يستند إليه ثبت في القسم الذي قبل هذا بالبينة، فهذا القسم الآخر لم يثبت إلا باقتصار المشتري على الدعوى.
ولو قال العبد: إني زنيت أو سرقت وأنا عند مولاي. لاستحلف البائع، لكون قول العبد لطخا. وهو أيضا أضعف من الأقسام التي تقدمته. فإذا تقرر حكم العيب المشكوك فيه وأن القول قول البائع لكون البيع منعقدا، والمشتري يدعي سببا يحله، فإنه لو كان بالمبيع مع هذا العيب المشكوك فيه عيب ثبت قدمه عند البائع، فإن هذا العيب القديم يوجب حل هذا البيع المنعقد. فيكون القول قول المشتري في هذا العيب المشكوك فيه: إنه لم يحدث عندي. لأن لما انحل بالعيب القديم، صار البائع مدعيا على المشتري غرامة تلزمه له، وهو أن يرد قيمة هذا العيب الذي زعم البائع أنه حدث عند المشتري، والأصل براءة ذمة المشتري، وقد قدمنا استصحاب الأصل، وهو ما