تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال القاضي أبو محمد رحمه الله؛ ولا يجوز لبائع السلعة المبيعة أن يكتم عيبها لأن ذلك غش. ولا يقبل دعوى المبتاع إن بان (2) بالسلعة عيبا دون أن

يأتي ببينة بمشاهدته (1) إن كان مشاهدا أو بالبينة إن كان غير مشاهد. ثم لا يخلو أن يكون مما لا يحدث عند المشتري أو يكون مما لا (2) يعلم أنه لم يكن عند البائع. والقول في الموضعين قول من قوي سببه منهما مع يمينه. أو يكون محتملا، فالقول قول البائع مع يمينه، إلا أن ينكل فيحلف.

قال الإمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة. منها أن يقال:

1 - لم حرم على البائع أن يكتم عيبا بالمبيع؟

2 - وما حكم التداعي في العيوب؟

3 - وما صفة اليمين في التداعي؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: قد قدمنا الدلالة على منع التدليس.

وتكلمنا على قوله عليه السلام: "من غشنا فليس منا" (3). وذكر ما قيل في تأويل هذا الحديث من أقوال كثيرة.

والغش هو كتمان العيب، والتدليس، والتغرير بالمشتري فيه. وذلك مما لا ينحصر. لكن منه أمور ظاهرة لا يحتاج إلى تبيينها، ومنه ما يفتقر إلى تبيينه.

مثل ما وقع في الرواية من منع الفرايين من أن يتربوا وجوه الأفرية ليتزين ويستر ذلك عيوبها. وهذا التحسين ربما اعتقد المشتري أنه صفة ثابتة لها في الأصل غير مصنوعة. وربما اعتقد أن ذلك لا يستر عيبا فيرغب المشتري، فهذا من الغش. لكن البيع إذا وقع والمشتري عالم بأنه قد تربها بائعها، فلا رد له.

وقال ابن المواز: إلا أن يكون اطلع على عيب، فإن لم يكن علم بأنها متربة، فله الرد قبل أن يطلع على عيب.

وهذا الذي قاله تمكينه من الرد قبل ظهور عيب يوجب الرد إذا لم يعلم بكونها متربة، إنما صار إليه لأجل أن المشتري يكره التمسك بها مع كونه يجوز

عيوبا سترت عنه، وستظهر له في ثاني حال.

وأما إطلاق الرواية بأنه إذا علم بالتتريب فلا رد له، فإنما ذلك إنما صار إليه لأجل هذا العيب الذي تخشى عاقبته.

لكن استدرك ابن المواز في هذه الرواية أن له الرد بعيب يظهر يمكن أن يكون رأى أن ذلك، وإن دخل عليه المشتري، كالبراءة من العيب، والبراءة من العيوب في العروض لا تصح، ولا يصح العقد على أن المشتري لا قيام له بالعيب متى ظهر له. وهذا وإن (1) لم يكن البائع عالما بالعيب. وأما إذا كان عالما به، فلا تصح البراءة منه ومن سائر العيوب على الإجمال.

ومن الغش أيضا خلط طعام جيد برديء، كخلط تمر جيد برديء، أو عسل جيد برديء، أو لحم هزيل بسمين. وينهى الجزار عن خلط اللحم الجيد بالرديء. وإن نقص له ذلك. فإن اشترى مشتر منهم على ذلك، فإن البيع ماض فيما قل كأرطال يسيرة، وأما أرطال كثيرة كعشرين أو ثلاثين، فإن ذلك لا يجوز حتى يعلم مقدار السمين من الهزيل. وإنما فرق بين اليسير والكثير في هذا لأن اليسير يفرز حميده ورديه، ويعلم فيه أحدهما من الآخر على جهة التخمين، بخلاف ما كثر من ذلك.

ويتصدق بما قل من لحم أو طعام إذا كان يسيرا عقوبة في المال مع الأدب. بخلاف الكثير الذي يشتد الضرر بإتلافه على صاحبه ويباع عليه ممن يؤمن أن يدلس به، ويعاقب من غش بضرب أو حبس أو إخراج من السوق إذا كان معتادا لذلك.

وقد قال مالك في الموازية فيمن يفجر في السوق ينبغي أن يخرج، فهو أشد عليه من الضرب. والتحقيق في هذا صرف العقوبة إلى الاجتهاد في جنسها ومقدارها لاختلاف موقعها في العصاة.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: لا يخلو العيب من أن يكون

مشكوكا فيه أو متحققا.

والشك فيه على قسمين:

أحدهما: أن يشك في وجوده وحصوله.

والثاني: أن يتحقق وجوده ويشك في زمن ابتداء وجوده.

وإن كان متحققا، فلا يخلو من قسمين:

أحدهما: أن يتحقق كونه عند البائع أو عند المشتري. فأما إذا كان الشك في وجوده وحصوله، فإنه لا يقضى للمشتري برد المبيع، لكون البيع أصله الانعقاد، واتفق المتبايعان على لزومه وثبوت الثمن على المشتري، وانتقال ملك المبيع إليه. فعلى من يدعي حل هذا المنعقد عليه إثبات ما يحله والمشكوك فيه غير ثابت.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣١٧