تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال بعض الأشياخ: إنما المراد أن الغالب وجود عاصب لها يرثها بالنسب، والنسب مقدم على الولاء، لكون العربية يحتفظ على نسبها ويعلم أصلها، بخلاف العجميات اللاتي لا يعرف لهن جدود أسلاف.

وقيل أيضا إن مراد السائل أنه يعلم أن لها عاصبا جهل أمره فلا تورث بالولاء، ويتصدق بمالها كما يتصدق باللقطة التي جهل مالكها، واعتقد السائل غلطا منه أن هذا هو الحكم، فرد عليه مالك غلطه وأخبره أن هذا ليس بعذر.

إلى هذا أشار بعض المتأخرين.

ولكن لو كان هذا هو مراد السائل، لوجا ذلك في العجميات أيضا لأنه يعرف أن العجمية لا بد لها من عاصب، ولكنه مجهول أيضا. وإن افترق الحال يكون العجمية لا يرجى العثور على عاصبها ويرجى ذلك في العربية.

وقد سئل يحيى بن عمر عن قرشي تزوج أمة رجل من العجم واستولدها، وأعتق سيدها ولدها، فقال يبيح بن عمر: ينسب هذا الولد إلى قريش كأنه ما مسه رق قط. وأحتج بما نقلناه عن مالك في المدونة، فأشار بهذا القول إلى أنه لا يكون للمعتق ولاء إذا كان المعتق عربيا. فإن هذا قد صرح به بعض الأندلسيين، فقال: مالك وأصحابه مجمعون على أن من أعتق عربيا، فإنه لا ولاء له بعتقه، إلا أشهب فإنه قال: الولاء للمعتق اتباعا لعموم قوله عليه السلام: "الولاء لمن أعتق" (1). ولم يفرق بين كون المعتق عربيا أو أعجميا.

وذكر ابن شفاعة: أن فقهاء الأمصار مجمعون على أن الولاء للمعتق، وأن أهل العلم لم يختلفوا في أن الجاهلية كانت تسبي بعضها بعضا. وقد سبي زيد بن حارثة واشترته خديجة ووهبته للنبي فأعتقه، فكان ولاؤه له - صلى الله عليه وسلم -. وسبت الروم صهيب بن سنان فاشتراه أبو بكر رضي الله عنه فأعتقه، فكان ولاؤه له. وهذا الذي ذكرناه من الخلاف يقتضي ظاهر الشرع كون الولاء للمعتق، وإن كان المعتق عربيا. ولا معنى لهذه التفرقة بين كونه عربيا أو أعجميا، إلا أن يقال: لا بد للعربي من عاصب يعلم، فلا ينقطع الولاء ها هنا لوجود نسب هو مقدم في الشرع عليه.

وقد كنا أشرنا إلى أن العيب يرد به وإن لم يشترط السلامة منه في أصل العقد. لكون ذلك كالمشترط في العرف عند المتعاقدين. وأما تعيين جنس دون جنس، فلا يتضمنه إطلاق العقد. وإنما يبقى النظر في دلالة العرف عليه. وقد كنا قدمنا الرواية فيمن اشترط كون الأمة نصرانية فوجدها مسلمة، فإن ذلك لا رد له به، لكون ما وجد أفضل مما اشترط، إلا أن يتميز غرض المشترط بدليل شاهد الحال.

وذكرنا أيضا أن إطلاق العقد على الأمة لا يتضمن بكارة أو ثيوبة، ولا رد له إذا وجد الأمة ثيبا، وقد وقع العقد مطلقا. لكن وقع في الرواية أنه من اشترى سمنا فوجد سمن بقر، فقال: إنما أردت سمن غنم، أنه يرد ذلك لكون سمن الغنم أطيب.

وهذا الذي قاله كأنه يشير إلى خلاف ما قدمناه, لأنه لم يجعل الثيوبة عيبا مع كون البكارة أفضل، وجعل كون السمن سمن بقر يقتضي الرد إذا كان سمن الغنم عندهم على مقتضى عرفهم أفضل. لكن قد يقال في هذا: إن الثيوبة هي الغالب، وعليها يدخل المتعاقدان، ألا ترى أنه لو كانت الأمة من صغر السن بحيث ما (1) الظاهر من حالها البكارة، أن للمشتري مقالا إذا وجد ثيبا. وأما السمن فلعله اعتقد أن سمن الغنم هو الغالب عندهم وعليه دخل المشتري، فلهذا جعل له الرد.

ووقع أيضا في الروايات فيمن اشعرى، قلنسوة سوداء، فوجدها ركبت من ثوب ملبوس، أنه لا مقال له إلا أن تكون ركبت من ثوب خلق. وقال، فيمن اشترى جبة ركبت من ثوب لبس أسمر ثم بيض، وركبت منه الجبة، إن هذا عيب.

وهذا أيضا أشار بعض الأشياخ إلى أنه اختلاف قول، ويمكن أن يكون العذر عن هذا أن القلانس تركب عندهم غالبا من ثياب ملبوسة ولا تركب الجبة والثوب من ثياب ملبوسة. وهكذا أيضا قال، فيمن وجد قلنسوة حشوها صوف أو قطن جديد وقديم: إنه لا يرد المشتري بذلك إذا لم تكن رفيعة. وهذا أيضا لكون العادة تقتضي عندهم حشو الدنية بمثل هذا، بخلاف الرفيعة. وهذا يشير إلى ما أصلناه من اعتبار النطق المشترط به صفة في البيع أو عرف يقوم مقام النطق.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣١٦